ربما لا توجد مهنة ذات مواصفات وأبعاد خاصة «جداً» مثل مهنة أستاذ الجامعة؛ فهذه المهنة تختلف عن غيرها من المهن الأخرى، حتى ولو بدت على قدر كبير من الأهمية مثل مهنة الطب أو الهندسة على سبيل المثال. وربما يعود ذلك إلى أن مهنة التدريس الجامعي هي التي تمنح كافة المهن الأخرى صلاحية الممارسة والاعتراف المجتمعيين لصاحب المهنة. فلا يمكن لأي كان أن يمارس مهنته، أو يدعي خبرته في مجال ما، بدون الحصول على شهادة جامعية رسمية تقر بأحقيته في ممارسة هذه المهنة.

والمؤسسة الرئيسة المجتمعية التي لها صلاحية منح صكوك الاعتراف بحق الممارسات المهنية هي الجامعة، على الأقل في عالمنا المعاصر. وتبدو أهمية أستاذ الجامعة، ليس بوصفه ناقلاً للمعارف فقط، ولكنه، وعبر نقل هذه المعارف المختلفة، يحتكر ويملأ المسافة القائمة بين الأجيال الجديدة وبين الانفتاح على المستقبل. فأستاذ الجامعة في النهاية وعبر ممارسته المهنية هو الذي يصنع المستقبل.

من هنا تبدو أهمية مهنة أستاذ الجامعة، الذي تمنحه المجتمعات العربية، وبشكلٍ خاص في جانبها الشعبي البسيط، قدراً كبيراً من الاحترام والتبجيل. ألا تتعلق مصائر الطلاب والطالبات بيد هذا الأستاذ، ألا تتوقف خبراتهم المستقبلية، وإمكانياتهم العلمية على معارف هذا الأستاذ وقدراته المختلفة على تعليم هؤلاء الطلاب والطالبات.

كما إن أستاذ الجامعة من هذه الناحية، أهم من المدرس العادي، حتى لو كان مدرساً ثانويا. فبينما يتعامل الأول مع الناضجين من الطلاب والطالبات، يتعامل الثاني مع أجيال أصغر، مازالوا على طريق التعليم. وبينما ينتمي الأول للجامعات القومية في العالم العربي، بمبانيها الضخمة، وبعدد طلابها وطالباتها الهائل، يرتبط الثاني بمدرسة محدودة ومتواضعة الجانب.

إضافة إلى ذلك، فإن أستاذ الجامعة، وعبر تجاوزه لأسوار الجامعة التي ينتمي إليها، هو الصحفي، والمفكر، والمبدع، والطبيب الشهير، والمهندس البارع، والوزير المُهاب. هو من يصنع المجتمع، وليس الأجيال القادمة فقط. فأستاذ الجامعة لا يقف عند التدريس فقط، لكنه يصنع الفكر، ويصيغ المقولات، ويُدبج المقالات، ويؤلف الكتب، ويقود التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. كما أنه هو الوزير، وهو الخبير، وهو المسؤول عن صياغة وتطبيق السياسات الرسمية للدولة التي ينتمي إليها.

من هنا يمكن القول بأن أستاذ الجامعة يعلو فوق كافة الوظائف والمهن الأخرى، ويتسامى فوق الجوانب البيروقراطية السخيفة، التي ما أن يرتبط بها، حتى يصير موظفاً عاديا، يتقيد بكشوف الحضور والانصراف مثله مثل أي موظف آخر.

في عالمنا العربي، يحتل الأستاذ الجامعي مكانة كبيرة، بحيث يصبح الدكتور ومرادفه حرف الدال مؤشراً على مكانته وانتماءاته الأكاديمية، كما يصبح الأستاذ الدكتور ومرادفه الحرفان ألف دال مؤشراً آخر على سمو المكانة الأكاديمية والمجتمعية. واللافت للنظر هنا أن كلمة دكتور تحظى بدرجة كبيرة من الأهمية من جانب المتعاملين مع أستاذ الجامعة مثل زملائه وأفراد عائلته وأصدقائه؛ فالسياق العربي المحب للألقاب والتمايزات المكانية يدعم استخدام هذه الألقاب، ويعلي من شأن العاملين في حقل التدريس الجامعي، هذه المكانة، رغم أحقية البعض من أساتذة الجامعة بها، تحظى بتقدير كبير بسبب من تخلف السياق المجتمعي العام، وارتفاع نسبة الأمية، وانبهار المواطن العادي بأستاذ الجامعة.

فرجل الشارع البسيط لا يعرف شيئاً عن المستوى العلمي والأخلاقي الحقيقي لأستاذ الجامعة، وبسبب من وضعيته المعرفية البسيطة فهو يقدر هذا الأستاذ الذي يُعلِّم أولاده، ويبجله بدرجة مبالغ فيها، وتمنحه قدراً كبيراً من الاحترام الذي لا يستحقه في بعض الأحيان.

وواقع الأمر أن أستاذ الجامعة في عالمنا العربي مُنتج بشري يحمل سمات الواقع الذي يعيش فيه، حتى بعد حصوله على درجته العلمية من أرقى الجامعات العالمية. فهو ابن بار بامتياز للبنية المجتمعية العربية التي يتعامل معها ويتطور بين جوانبها، حيث لا يستطيع تجاوزها، والتحرر من قيودها.

لا تتحرر عقلية أستاذ الجامعة من الاستبداد المجتمعي العربي العام، ورغم تعليمه المتقدم، وانفتاحه على العالم الخارجي، واحتكاكه بخبرات مجتمعية أخرى، سواء أكانت أكاديمية أو إنسانية عامة، فإنه يكرس ويعيد بنية الاستبداد المجتمعي العام، سواء أتم ذلك بوعي أو بغير وعي. وما يحدث في الواقع الأكاديمي هو نقل حرفي للاستبداد المجتمعي إلى قاعات المحاضرات، حيث لا صوت يعلو فوق صوت الأستاذ، ولا معرفة يمكن أن تتجاوز معرفته.

ومن اللافت للنظر هنا أن الأستاذ الجامعي نادراً ما يقر أمام طلبته أنه غير مُلم بقضية ما، أو أنه لا يعرف الإجابة عن تساؤل ما؛ فهو يعرف كل شيء، ويلم بكل الأمور، حيث لا يعرف كلمة «لا أعرف» على الإطلاق. وطالما أنه يعرف كل شيء فمعنى ذلك، وهو الجانب الأكثر خطورة هنا، أنه لن يتعلم أي شيء من طلبته، حيث تصبح المحاضرة، وطرق التدريس خطية الجانب، أنبوباً ذا اتجاه واحد ينبع من فم الأستاذ إلى آذان الطلاب والطالبات.

والشاهد أن البنية الأكاديمية الجامعية في العالم العربي بنية استبدادية بإطلاق، حيث تزداد حدة هذا الاستبداد مع طلاب الدراسات العليا، الأكثر احتياجاً لإنهاء أبحاثهم والحصول على درجاتهم العلمية. وربما تكشف طبيعة الكثير من البحوث عن مدى التشويه الذي تسببه بنية الأكاديمية العربية، من حيث عدم التجديد والابتكار، وقصائد المدح الموجهة للمشرفين والمناقشين، بغض النظر عن مدى استحقاقهم لهذا المدح. إن بنية الاستبداد بنية لا متناهية، فما يقوم به الأساتذة الآن، يكرره طلبتهم في المستقبل، وربما بشكلٍ أسوأ وأكثر انحطاطاً. من هنا، فإن الجامعة هي المكان الأمثل الذي يحافظ فيه الكثير من أساتذة الجامعة على نقاء بنية الاستبداد واستمراريتها، من دون أن يحاولوا تجاوزها والعمل على تغييرها.

وعلينا ألا ننسى هنا أنه رغم خصوصية مهنة الأستاذ الجامعي، فهو في النهاية مرتبط ببنية اجتماعية وسياسية تحدد له حدود تصرفاته وحدود أفكاره وحدود مستواه الاقتصادي. والشاهد أن أستاذ الجامعة في الكثير من الدول العربية يعاني من أمرين على قدر كبير من الخطورة والتأثير على مسار حياته الأكاديمية وتوجهاته الأيديولوجية المجتمعية.

الأمر الأول يتعلق بإحساسه بمكانته المجتمعية وبألقابه التي تثير غيرة الحاسدين، وهو الأمر الذي يتعارض مع الإهمال الرسمي له، وعدم الاعتداد به وبإسهاماته، في ظل مجتمعات متخلفة، تعاني من نسب أمية عالية جداً، وفي ظل أنظمة سياسية استبدادية. وفي هذا السياق، ليس أمام أستاذ الجامعة لكي يحقق مآربه سوى أن يرتبط بالنظام السياسي للدولة، حتى يتم استقطابه ضمن جهازها، بما يؤمن له إحساساً ما بأهمية مكانته، وبحيثية وظيفته المجتمعية.

لقد أصبحت وظيفة الأستاذ الجامعي في الكثير من البلدان العربية، إن لم يكن كلها، تمثل الباب الملكي للتوحد مع النظم السياسية الحاكمة، والاستفادة من عطاياها بدرجة أو بأخرى. وفي بعض البلدان العربية، ينضم الكثير من أساتذة الجامعة للحزب السياسي الحاكم، حيث تصبح هذه العضوية عنوان الولاء، ومؤشرا على التوحد مع الجهاز السياسي، وإمكانية الحصول على منصب ما. والمتتبع لمسيرة الكثير من المتنفذين في الدول العربية، يجد أنهم في الغالب كانوا أساتذة إحدى الجامعات، الحكومية غالباً، حيث بدأوا الانخراط في الحزب الحاكم، وترقوا السلم درجة درجة، حتى كسبوا ولاء السلطة، وأصبحوا من أركان استمرار النظام ودعائمه.

الأمر الثاني، يتعلق بالمستوى الاقتصادي المتدهور الذي يواجهه الكثير من أساتذة الجامعة في العالم العربي. وفي ظل المكانة المجتمعية التي يحظى بها أستاذ الجامعة، مقابل هذا التدني الاقتصادي، تنشأ حالة من الإحباط واليأس لدى الكثير من أساتذة الجامعات في العالم العربي، وهو الأمر الذي يفرز الكثير من موبقات المهنة ومساوئها، ويحيل أستاذ الجامعة إلى مجرد تاجر ليس له من هم سوى تعظيم مكاسبه. وربما يفسر ذلك الأمر الأول؛ فالكثير من أساتذة الجامعات يلجأون للتعامل مع السلطة السياسية، ليس فقط من أجل الحصول على المناصب، ولكن أيضاً، وارتباطاً معه في الوقت نفسه، من أجل تعظيم المكاسب المادية سواء العينية منها، أو المالية.

وفي كلا الأمرين يفتقد أستاذ الجامعة الكثير من استحقاقات مهنته المطلوبة والمرتبطة بها. فالذي يحدث في الواقع أنه يتحول إلى موظف بالمعنى الحرفي للكلمة، تهمه شواغل المهنة التافهة، بحيث يهمل كتابة بحوثه وصناعة أفكاره. كما إنه، وكلما ازداد توحده مع النظم السياسية الحاكمة، انفصل عن القضايا المجتمعية الحقيقية التي تهم القطاع الواسع من المواطنين، فيفقد ذلك الوهج الأيديولوجي الذي يمنحه زخم التفكير، وإمكانية الإبداع المعرفي الحقيقي. ورغم الكثير من القيود والاستحكامات البنيوية المفروضة على أستاذ الجامعة في العالم العربي، فإنه يمكن القول، أنه يمتلك خياراته بين أن يظل أستاذًا جامعيا حقيقيا، وبين أن يتحول إلى موظف في كنف الدولة وتحت رعايتها الأبوية المتغطرسة والقامعة في الوقت نفسه.

كاتب مصري

moc.liamtoh@mizaledbahelas