تحتل الحملة الفرنسية على مصر مكانا مهما في تاريخ مصر الحديث كونها عند الكثيرين بداية دخول مصر - العالم العربي - العصر الحديث ورغم أنها ليست حدثا موغلا في القدم إلا أن الكثير من حقائقها لم يكشف بعد ربما بسبب التأثير الطاغي للثقافة الفرنسية في الواقع المصري إلى حد تلخيص المؤرخ الفرنسي المعروف هنري لورنس هذا الدور الكبير بأن فرنسا «كونت» العالم العربي الحديث وهو العنوان الفرعي لكتابه «المملكة المستحيلة»، فالعنوان الفرعي للكتاب هو «فرنسا وتكوين العالم العربي الحديث».
نابليون والأزهر
ولأن صراعا يجري على الأرض بين أجندتين غربيتين: أميركية وفرنسية لمستقبل المنطقة وبسبب قناعتي بأن المد الشديد لموجة العداء للولايات المتحدة ينبع بصفة أسياسية - وضمن أسباب أخرى - من الدور الفرنسي في تكوين العقل العربي الحديث انشغلت خلال السنوات القليلة الماضية وبالتحديد منذ حرب العراق بالتنقيب في التاريخ وقادني اهتمامي الشديد بالتأثير الفرنسي الاستثنائي في وجدان وعقل النخبة الثقافية العربية إلى حقائق تستحق التوقف.
الحقيقة الأولى التي أتوقف عندها كشف عنها الشيخ الدكتور علي جمعة مفتي وزارة العدل المصرية، ففي حوار مفتوح معه بدار الكتب المصرية (جريدة العرب اللندنية 6 - 21 - 6002) قال: إن «الحملة الفرنسية على الرغم من فوائدها، فإنها عطلت النهضة المصرية بعد أن قضت على بذورها، وذلك بعد قيام نابليون بقتل نحو 1500 عالم من علماء الأزهر، في محاولة لكسر شوكة المقاومة ضد الاحتلال» وهي معلومة صادمة لا تذكرها مراجع الفترة المشار إليها وكأن تاريخا غير معلن ما زال متداولا في دوائر ضيقة في بقعة من العالم تعاني غياب الوثيقة وغياب الحقيقة ويتخبط مثقفوها في غيابهما في ظلمة تعميمات أيديولوجية كاسحة لا تصمد طويلا أمام نور الحقيقة.
وما كشف عنه المفتي يرسم صورة شديدة الدموية لموقف الحملة الفرنسية من الأزهر ومن الدور السياسي للدين وهي القضية التي لم تزل مصر في حالة «دوار ثقافي» بسببها حتى الآن، فضلا عما تثيره من أسئلة عن مشروعية نشر «الحداثة» بالقوة كمعادل تاريخي لظاهرة معاصرة هي نشر «الديمقراطية» بالقوة، وتضفي مشروعية على مقارنة هذا المشهد الدموي بالهولوكوست التنويري الفرنسي الذي ارتكبته قوات الثورة الفرنسية في فاندي (فندييه) (1793) وراح ضحيته حوالي ربع مليون فرنسي من المنخرطين في حركة المقاومة المسيحية للثورة الفرنسية.
كما أن هذه الحقيقة التي كشف عنها المفتي تدعو لإعادة النظر في الصورة الإيجابية للحملة الفرنسية في كتابات العلمانيين العرب حتى الآن رغم أنها في النهاية كانت مشروعا للتغيير «من الخارج» بالقوة!
مصري يحكم باريس!
وقد أعادتني كلمات المفتي إلى ملف يشغلني منذ عامين ينطوي على مفاجأة لم أتوقعها هي اكتشاف فصل مثير من تاريخ العلاقات المصرية الفرنسية لم أجد عنه حرفا في العربية وهو ملف «أنيس البيطار». وأنيس البيطار اسم صادفني في كتاب عنوانه «باريس تحت حكم الكوميونة»، وحكم الكوميونة تجربة ثورية تعلم منها ماركس نفسه وأشار إليها في مؤلفاته كما أنها كانت الملهم الحقيقي لمعظم النظم الثورية العربية. وبدأت قصة الكوميونة في 30 أكتوبر 1870 عندما انتشرت الأنباء في باريس عن استيلاء الجيش البروسي على قرية لوبورجيه الحدودية لتقرر أقلية ثورية يسارية أطلق عليها فيما بعد اسم الكوميونة أن تضع خطا أحمر على القرار السياسي للحكومة لتفرض الحرب كرد فعل وحيد ثم لتتحول إلى سلطة جماعية تحكم باريس لفترة قصيرة هي فترة حكم الكوميونة.
مؤلف الكتاب جون ليتون بريطاني كان في زيارة لفرنسا وسجل تجربة حكم الكوميونة يوما بيوم واستعان بمواد صحفية وشهادات شهود عيان على مدى 73 يوما. وقد تشكلت الكوميونة من أكثر من ثمانين عضوا، ستون منهم لم تعرف أسماؤهم وهو ما جعل المؤلف يتساءل عن قوة «غامضة» تتخفى وراء هذه السلطة الجماعية الثورية!
وبقية أعضاء الكوميونة الذين أعلنت أسماؤهم كانوا خليطا من مشارب مختلفة: متآمرون فاشلون في ثورات سابقة، صحفيون، خطباء....وكانت الفئة الأهم اثنا عشر عضوا من غير الفرنسيين من: إيطاليا، أميركا، البرتغال، روسيا، ألمانيا، النمسا، بلجيكا، أسبانيا، هولندا. ولكن الأهم أن الفيجارو الفرنسية عندما نشرت قائمة بأسماء أعضاء الكوميونة ضمت ثلاثة وعشرين اسما أولهم مصري اسمه أنيس البيطار كان يعمل في مكتبة عامة )يقٌيُُّومِّّم خفُّيَُفٌم(.
فمن أنيس البيطار؟ ومتى سافر إلى فرنسا؟ وما دلالة وجود هذا «الثوري» المصري في قلب هذا المجلس العالمي في هذا التوقيت المبكر؟ لم أجد إجابة.
صحيح أن محمد علي باشا الذي تولى حكم مصر عام 1805 ربط مصر بفرنسا برباط وثيق وأرسل العديد من البعثات الدراسية إلى فرنسا للدراسة ومن الواضح من الصفة التي ذكرتها الفيجارو أنه متعلم لكن اسم أنيس البيطار لا يرد ذكره على الإطلاق فيما هو معروف من المراجع التي تؤرخ للعلاقات المصرية الفرنسية فضلا عن أنه لا يرد له أي ذكر في الكتابات العربية القليلة عن كوميونة باريس.
ويعد البيطار الوجه الآخر لقصة المعلم يعقوب القبطي الذي أنشأ «جيشا» صغيرا وحارب مع الفرنسيين ورحل مع القوات الفرنسية عام 1801 ثم لم يظهر على مسرح الأحداث مرة أخرى ولم يدون أحد - في حدود ما نعرف - شيئا عن إقامته في فرنسا، وكما اختفى يعقوب دون خيط يمكن تتبعه ظهر أنيس البيطار في كتاب جون ليتون وكلاهما من الصفحات ذات الأهمية الاستثنائية في تاريخ علاقات وثيقة ولكنها مليئة بالصفحات المجهولة. ولعله أمر ملفت أن يظل أنيس البيطار مجهولا مع وجود سيل لا ينقطع من المؤلفات الفرنسية عن مصر في إطار ما يسمونه الولع الفرنسي بمصر.
ورغم أن اكتشاف هذا المصري الذي شارك في حكم باريس هو بحد ذاته كشف مثير إلا دلالته تظل أكثر أهمية فالكوميونة هي «الأصل» الذي استنسخت منه معظم التجارب الثورية العربية وفيها تبلورت للمرة الأولى منظومة: الخطر الخارجي، الأقلية الثورية، الإجراءات الاستثنائية، والعسكرة، وهي أهم ملامح تجارب نخب التحرر الوطني العربية، فهل من روابط تنظيمية ما ربطت بين ضفتي المتوسط؟ وهل لهذه الروابط صلة بـ «القوة الغامضة» التي أشار ليتون إلى وقوفها خلف الكوميونة؟
حتى الآن لا إجابة!
كاتب مصري