ليس عندي لكم سوى «خريطة الطريق».

هذه هي الخلاصة النهائية لحديث وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس إلى القادة العرب ـ بمن فيهم رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبو مازن) ـ خلال جولتها في المنطقة.

ولا أدري إن كان أي من القادة العرب قد صارح ممثلة الإدارة الأميركية بأن طرحها ينطوي على استهزاء مرفوض بالفلسطينيين خصوصاً والعرب عموماً. فبالإضافة إلى أن جوهر مشروع «خريطة الطريق» هو تكريس الاستيطان اليهودي الواسع في أراضي الضفة الغربية الفلسطينية فإن المشروع نفسه في حقيقة الأمر وبحكم الأمر الواقع مات وشبع موتاً بعد أن وضعت عليه القيادة الإسرائيلية 14 تحفظاً، خلاصتها أن إسرائيل ترفض حتى منح الشعب الفلسطيني دولة منقوصة الحدود، منقوصة السيادة على الأرض والموارد.

وبعد فإن للعرب مشروعهم المتمثل في «المبادرة العربية» التي أجيزت بالإجماع في مؤتمر قمة عربي. وهي مبادرة تشتمل على الاعتراف بالدولة الإسرائيلية مقابل جلاء إسرائيل عن كل الأراضي العربية الواقعة تحت الاحتلال.

والسؤال الذي ينبغي أن يطرح مصحوباً بغير قليل من الاستغراب ـ إن لم يكن الاستنكار ـ هو: لماذا لم يعرض المسؤولون العرب مبادرتهم الانصافية المتوازنة على السيدة رايس مع إصرار موضوعي على الولايات المتحدة بأن تؤيد هذه المبادرة، أو تقبل على الأقل بمناقشتها جدياً مع القيادات العربية بما في ذلك القيادة الفلسطينية؟

لنعد إلى الأذهان أولاً ان هذه هي الجولة الثامنة للسيدة رايس منذ توليها أمر وزارة الخارجية الأميركية. والمشكلة هي أنه خلال هذه الجولات الثماني وما سبقها من جولات لمسؤولين أميركيين آخرين فإن الجانب الأميركي هو الذي ينفرد بتحديد وتقرير جدول أعمال كل جولة، فيخرج جدول الأعمال في صورته الرسمية النهائية وقد تضمن ما يطيب لواشنطن من قضايا معينة مع إسقاط أي قضايا أخرى لا ترغب الإدارة الأميركية أن تتعرض لها، كالمبادرة العربية على سبيل المثال.

ولنواجه الحقيقة، رغم أن المفترض نظرياً أن الولايات المتحدة «وسيط حيادي» بين العرب وإسرائيل إلا أن السيدة رايس وأمثالها من المبعوثين الأميركيين يأتون إلى المنطقة كمحامي دفاع عن الدولة اليهودية وخصوم للعرب. ولذا فإنهم يحرصون مسبقاً على رسم جدول الأعمال لضمان حذف أي قضايا يمكن أن تفضح التحيز الأميركي لإسرائيل.

وعلى هذا النسق ترفض الإدارة الأميركية مناقشة المبادرة العربية القائمة على مبدأ «الأرض مقابل السلام» لأن من المحتم أن تؤدي تداعيات النقاش في هذه الحالة إلى الخطاب الخطي الرسمي الذي سلمه جورج بوش إلى أرييل شارون وتقر فيه الولايات المتحدة بمشروعية المستوطنات اليهودية الكبرى المقامة على أرض الضفة الغربية الفلسطينية.

جولات رايس ليست إذن سوى تمارين في مجال فن «العلاقات العامة» تصرف خلالها عبارات رنانة من البلاغة اللفظية لكي تعطي انطباعاً زائفاً بأن «الأمور تتحرك» بينما تواصل إسرائيل استكمال تنفيذ مخططات الاستيطان.

ولم تخل هذه الجولة الثامنة لوزيرة الخارجية الأميركية من مفارقة سوداء. فبينما كانت السيدة الوزيرة تواصل زياراتها إلى بعض القادة العرب وتبشر بالإعداد لاجتماع ثلاثي يجمعها مع أبو مازن ورئيس الحكومة الإسرائيلية أولمرت أعلنت حكومة أولمرت فجأة مناقصة لبناء وحدات استيطانية جديدة في الضفة.

هكذا يتحول الاستهزاء الضمني إلى ازدراء مباشر بالحقوق العربية.