يرسل الوضع اللبناني إشارات ملتبسة، يتداخل فيها الإيجابي بالسلبي والواعد بالمقلق. فهناك تلميحات وعلامات مرونة وكلام عن تجديد أدوار وتحريك مبادرات. وفي الوقت نفسه هناك تلويح بالتصعيد النوعي وكلام عن تجمّع غيوم في الأفق وتعثر الجهود والمحاولات.

انفتاح خطوط يقابله حديث عن انسداد يهدد حركتها، لكن الملاحظ أن كفة الأول تسجّل بعض الرجحان، بسبب دخول موقف إقليمي مساعد على سكة الأزمة والمشجع أكثر أن هذا الدخول يجري ـ حسب ما يتردد ـ بالتناغم مع الوساطات العربية، سبق ذلك لقاءات وزيارات ورسائل. وتبعه كلام يصبّ في تبريد الأجواء، في لبنان. ويأتي ذلك في لحظة حرجة وفاصلة، فاستحقاق مؤتمر باريس 3، على الأبواب في 25 الجاري.

الحكومة اللبنانية تعلّق عليه آمالاً كبيرة وبذلت في سبيله جهوداً أكبر، على الساحتين العربية والدولية، هي ترى فيه حبل الإنقاذ الاقتصادي، في هذا الوقت العصيب. المعارضة كانت قد اعترضت على ورقة الحكومة إلى المؤتمر. ترجمت اعتراضاتها باعتصامات في بيروت. لكن يبدو أنها خفّفت من لهجة خطابها، في هذا الخصوص، إلا أن الحديث عن تصعيد قريب وكبير، عاد بشكل ملحوظ إلى التداول.

الأمر الذي ترك الانطباع بأن الوضع يجتاز الآن وحتى موعد المؤتمر، ممراً ضيقاً يفصل بين طريقين: طريق الحلحلة وطريق التأزيم المفتوح. السباق محموم بين الاحتمالين، من جهة يزدهر التلميح عن «طبخة» تشمل الملفات الساخنة للأزمة.

كما تزدهر النظرة المتفائلة إلى حركة المشاورات الاقليمية والدبلوماسية مع تكرار الإشارة إلى دور ومبادرة الأمين العام للجامعة العربية واستعداده للعودة إلى بيروت «في الوقت المناسب». يعني ذلك أن ما سبق وطرح لا يزال على الطاولة، موضع أخذ وردّ. واكب ذلك حالة من الترقب، بموازاة تراجع في حدة التراشق الداخلي وفي درجة حرارة المشهد السياسي اللبناني، عموماً، لكن من جهة ثانية، وفي سياق التلويح بخطوات تصعيدية، تكررت في الأيام الأخيرة تحذيرات من أن الحالة باتت قريبة من لحظة انفجار ـ قبل نهاية الشهر الجاري ـ إذا لم يحصل تفكيك لـــ «القنبلة الموقوتة»، التي بدأت عدّها العكسي!

كما ظهرت مفردات كانت خارج قاموس الأزمة، مثل أن التصعيد المرتقب سيبقى دون الوصول إلى شيء مسلح، أو أن يحصل اشتباك مسلح أو مذهبي لأن الجميع يريد تجنّب الرصاص!

الكلام هذا أتى في إطار تطميني ـ أم تهويلي؟ ـ لكن في الوقت نفسه، مجرد الإشارة إلى السلاح ولو في سياق الإشارة إلى حسن النوايا والحرص على اجتنابه، من شأنه أن يثير الخشية.

فالحساسية عالية إزاء هذا الأمر. ثم ان الوضع اللبناني شديد التوتر والاحتقان. وبالتالي فالتطمين الوحيد الذي يتقبّله هو الخروج من الدوامة والعودة إلى الحوار، عبر المبادرة العربية، المحكوم به الوضع اللبناني والذي لا طاقة له على كسر الحلقة التي تدور فيها الأزمة، إلا من خلالها وعن طريقها.