لا نحتاج لتكرار الحديث عن قيم الدين الإسلامي الحنيف، وكيف أنه أسرع دين في التاريخ بالانتشار وبناء حضارة أكملت مسيرة التقدم البشري في ثورة عقلية وعلمية، غير أن دخول الاجتهادات التي حولت العقيدة إلى جدل فجر الخلافات، كان بشرياً ولم يكن في صلب وسماحة هذا الدين.
قلنا إننا نتقاتل، في عالمنا الإسلامي، باسم الماضي، وقد تعالت المذاهب على الأوطان وعلى القيم الإسلامية ذاتها التي صانت أصحاب الديانات السماوية وغيرها، وكانت مثالاً للتسامح، وحين نطل على العالم الآخر الأكثر تنوعاً في قومياته وأديانه، ولغاته، لا نجد الهنود يتحاربون من أجل الهندوس، والسيخ، ولا يقبلها الغربيون حرباً جديدة تستجلب من الماضي بين الكنائس الكاثوليكية والبروتستنتية وغيرهما، ولم نر البوذيين يوزعون جثثهم على الشوارع ومعابدهم من أجل خلاف بين بوذية الصين، والهند، وتايلند.
الجميع يقاتل من أجل بناء الإنسان ورفاهه، ولعل ماليزيا مثال رائع بتاريخنا الحديث وكذلك الهند التي تضم أكبر تجمع اسلامي في قارتها الكبيرة، وحتى نقف على مشهد الحياة المعاصرة، فإن العالم الإسلامي الذي فجّر تناقضاته وتم تحويلها إلى معارك مؤسفة بين المذاهب وصار تقسيم المدينة إلى شيعة وسنة يفصلهم النهر في بغداد، عاراً تاريخياً.
وكان من المفترض أن يقوم مشائخ السنة ومراجع الشيعة بالافتاء بتجريم القتل على المذهب والاسم والهوية، لأنها مسؤوليتهم الأخلاقية والدينية، وهم الذين عاشوا خارج التصنيف السياسي حين كان الجوار بالمنازل والتزاوج جزءاً من مجتمع يتعالى على الخلافات المذهبية والسياسية، وكان من المفترض أيضاً أن يجتمعوا بدون وسطاء، ولا أوصياء في حلقة واحدة يناقشون ظروفهم الراهنة بكفاءة الإنسان المؤمن طالما الحريق سوف يتعدى العراق إلى كل السنة والشيعة في العالم.
لقد كان سلطان العلماء "العز بن عبدالسلام" هو من رفض مبايعة الظاهر بيبرس على ولاية مصر، ما لم يتم الحراج عليه بالقلعة، ولم يعترض الأمير على فتوى القاضي، وكانت مثالاً غير مسبوق بالسلوك الرائع حين بايع الشيخ الأمير بعد تحريره، دون أن يجعل رأسه ثالثاً لقدميه باسم هيبة السلطان والدولة.
نحتاج إلى قضاة، وعلماء حكماء يستطيعون بسلوكهم أن (يعقّلوا) السياسيين ويمنعوا فوضى الشارع أن تسود لتنفلت الغرائز، وتصبح المجتمعات رهناً لقاتل، أو مفجّرٍ لنفسه باسم مليشيا الطائفة، أو انتقاماً من تاريخ أزلي أضاع هيبة الإسلام وتسامحه.
وإذا كان ما يجري بالعراق وغيرها من بلدان عربية إنذاراً لمخاطر وتجاوزات أخرى، فقد تخرج القبلية على الخط وتكون رأس حربة الموت القادم لنخرج من كل التاريخ الإسلامي، ونعود لداحس والغبراء، وقتال القبائل الذين عملوا على إزالة الدولة الإسلامية منذ بداياتها.