على الرغم من ان ادارة الرئيس الاميركي جورج بوش لم تتعامل بالجدية الكافية مع توصيات مجموعة دراسة العراق وخاصة تلك البنود المتعلقة بالانسحاب من بلاد الرافدين قبل ان يفوت الاوان، فان ايفاد وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس الى المنطقة يعد مؤشرا على ان التوصية المحورية حول الامن الشامل في المنطقة وارتباطه بالتسوية السلمية العادلة والتفاوض عليها للصراع الفلسطيني - الاسرائيلي قد وجدت صداها بشكل او بأخر لدى الحكومة الاميركية.

ومن الموضوعية التأكيد على ان اهتمام ادارة الرئيس بوش بالتسوية السلمية سابق على توصيات لجنة بيكر - هاملتون فمما يذكر للرئيس الاميركي انه هو اول رئيس للولايات المتحدة يطالب باقامة دولة فلسطينية مستقلة ولم يكن هذا المطلب واردا او صريحا لدى الادارات الاميركية قبله، الا ان هناك الكثير من الفرص والامكانات التي كان بوسع الادارة الاميركية الحالية القيام بها وقد ضاعت تلك الفرص لا سيما مع اتخاذ الولايات المتحدة مواقف سياسية غير متوازنة في مجلس الامن الدولي لصالح اسرائيل وتغاضيا عن الممارسات العسكرية الاسرائيلية والنشاطات الاستيطانية في الاراضي الفلسطينية - مما دفع بالعديد من المراقبين الى وصف الادارة الاميركية بعدم التحرك بفعالية لاحياء عملية السلام ووضع الحدود لانهاء الممارسات والاجراءات الاسرائيلية الجائرة بحق الفلسطينيين.

الان وقد بقي لولاية الرئيس الاميركي جورج بوش عامان في البيت الابيض فان بوسع ادارته ان تفعل ما يكفي للتعويض عن ضياع الفرص والامكانات خلال السنوات الست الماضية حتى وان كان من الصحيح ان الرئيس بوش ووزيرة خارجيته بذلا جهودا ميدانية لا يمكن انكارها سواء من خلال الزيارات الى المنطقة ام عبر النشاطات الدبلوماسية العلنية ومن وراء الستار. غير ان التقييم الواقعي لهذه النشاطات لا يمكن ان يتم الا من خلال اثارها الملموسة في مجال تعديل وتغيير النهج الذي تتعامل به اسرائيل مع الحقوق الوطنية الفلسطينية ومواجهة الحكومة الاسرائيلية بحقيقة ان ممارساتها تتناقض مع عملية السلام بل وحتى مع خطة خريطة الطريق المرتكزة في الاساس الى رؤية الرئيس بوش للتسوية السلمية للنزاع الفلسطيني - الاسرائيلي وحل الدولتين.

وهناك بادرة ايجابية مشجعة على ان وزارة الخارجية الاميركية خطت ولو خطوة واحدة وقوية لمصارحة الحكومة الاسرائيلية بان اقامة مستوطنة «ماسكيوت« شمالي الغور لايواء المستوطنين السابقين الذين تم اخلاؤهم من قطاع غزة تتناقض مع التزامات الحكومة الاسرائيلية وفقا لخطة خريطة الطريق وربما تكون هذه الخطوة بداية لاسلوب جديد ونزيه للتعامل مع الممارسات الاسرائيلية بمقياس اتفاقها او تعارضها مع عملية السلام يضاف الى ذلك تعهد الوزيرة رايس ببذل قصارى الجهود خلال ما تبقى من فترة ولاية الرئيس بوش للعمل من اجل اقامة الدولة الفلسطينية ولو ان الوزيرة ركزت جهودها على الضغط من اجل وضع حدود متفق عليها للدولة الفلسطينية على نمط ما يعرف بالخط الازرق في لبنان، فانها بذلك تكون قد ارست القواعد والاسس للحل النهائي وساهمت في الحد من النشاط الاستيطاني.

والملاحظة التي لا بد من تسجيلها في هذا المجال هي ان تحريك العملية السلمية وتحقيق التطلعات الوطنية العادلة لشعبنا الفلسطيني وان كان يعتمد جزئيا على الجهود الدولية ومنها الدور الاميركي فان الاساس والمنطق والجوهر تتمثل في الوحدة الوطنية الفلسطينية والتفاف الفصائل والقطاعات الشعبية الفلسطينية حول استراتيجية سلام واحدة ومشتركة ودون هذه الاستراتيجية فان العالم لن يساعدنا لاننا وببساطة لا نساعد انفسنا.