الدرس الأكبر والأهم الذي يجدر بنا ـ نحن العرب ـ التوقف عنده من مشهد إعدام صدام حسين، أن الديكتاتور يجر على نفسه وعلى شعبه الخراب والدمار.
نظام صدام حسين ـ كشأن كثير من النظم العربية ـ كان متسلطاً متجبراً، ذاق العراقيون منه صنوفاً شتى من القهر، استقوى على الجميع أيا كانت مذاهبهم الدينية والسياسية. كانت مؤسسات القوة ممثلة في الجيش والمخابرات والبوليس هي المهيمنة على الدولة والمجتمع. كل شيء تمت مصادرته لحساب الدولة البوليسية القمعية التي تم اختزالها في شخص الحاكم الفرد، لذا كان سقوطها سهلاً تحت دبابات الأميركيين الغزاة.
إن تجارب التاريخ تثبت على الدوام أن الدول لا يمكن أن تسقط أمام المحتل ما لم تكن مهيأة داخلياً لهذا السقوط. وأول عوامل التهيئة لهذا السقوط هو وقوعها تحت التسلط ومعاناتها من القهر. فالحاكم المتسلط لا يرى الشعب إلا مجموعة من العبيد، مهما زعم غير ذلك أو قالها صراحة مثلما فعل الخديوي توفيق حاكم مصر عندما قالها لأحمد عرابي عام 1881 «أنتم عبيد إحساناتنا» وبعد تلك المقولة استعان بالانجليز فاحتلوا مصر لمدة سبعين عاما.
الحاكم الديكتاتور من طباعه التسلط على الدولة والمجتمع فيلغي وجود أي مؤسسة يمكن أن تقيد سلطاته، إذ يحرص على حرمان المجتمع من وجود القضاء العادل، ومن وجود البرلمان الحقيقي، ومن النقابات القوية وجمعيات النفع العام المدافعة عن المجتمع. كما يحرص على تجريف النخبة الوطنية العاقلة التي يمكنها حماية المجتمع أوقات الأزمات، وفوق ذلك لا مكان للدستور والقانون إلا بقدر ما يخدم أهدافه وتسلطه.
ولو طبقنا ذلك على العراق في ظل نظام صدام حسين، لوجدنا أن نظام صدام حرم القضاء من استقلاله وجعله شُعبة من شُعب حزب البعث، ولو أنه أسس لقضاء عادل لتمتع هو بعد خلعه بمحاكمة عادلة، ولما وقف أمام محكمة معادية له يقودها قاضٍ بيت له حكم الإعدام منذ توليه أمر المحاكمة، بل إنه اختير خصيصاً لتحقيق هذا الهدف.
ولو أن نظام صدام أسس لبرلمان حقيقي ومستقل يصل أعضاؤه إلى مقاعدهم بالانتخاب الحر المباشر لما عادى العراقيون نظامه، ولما ترك أغلبهم تراب العراق يسقط تحت الاحتلال الأميركي بثمن زهيد، فمعظم العراقيين تمنوا زوال نظام صدام وسعوا إلى ذلك دون التبصر بالعواقب.
ولو أن نظام صدام أسس لمجتمع مدني حقيقي قادر على استيعاب واحتواء كل التنويعات السياسية العراقية لما تحول ملايين العراقيين إلى لاجئين خارج الوطن، ولما استطاع الاستعمار الأميركي البريطاني تجنيد بعضهم، ولما عمل بعضهم عملاء له، ولما جاءوا معه على دباباته، مع العلم أن الوطنية الحقة تأبى التواطؤ مع الأجنبي أو الاستعانة به تحت أي ظرف، فذلك ما يأباه الوطن والدين.
ولو أن نظام صدام أبقى على تنوع النخبة العراقية القوية المتسلحة بالوطنية والتعقل لما تعرض العراق للنهب والخراب والاقتتال في ظل الاحتلال. فهؤلاء كان باستطاعتهم توحيد صفوف العراقيين وتوجيه البوصلة نحو العدو المشترك وهو الاحتلال، ولتحولت أرض العراق كلها بأهلها من سنة وشيعة إلى نار تقاوم المحتل وتحرق دباباته وتقتل جنوده بدلاً من اقتتال العراقيين فيما بينهم.
ولكن ما حدث أن المحتل وجد الأرض مهيأة للتناحر المذهبي فاستثمرها خير استثمار في ظل قيادات نخبوية طائفية تتعطش للدم العراقي، وتمالئ الاحتلال وتتعاون معه، بدلاً من مقاومته. وليس تبريراً أن حال العراق اليوم هو أسوأ مما كان عليه إبان نظام صدام، إذ لم يكن للعراق أن يصل إلى ما وصل إليه لولا ممارسات وسياسات ذلك النظام. فالخارج طامع دائماً ولا يردعه سوى قوة المجتمع والدولة وتماسكهما..
وللأسف فإن حال كثير من دولنا العربية لا يختلف عما كان عليه نظام صدام، ويبدو أن البعض من الحكام المتسلطين لم يفهموا الرسالة بعد، وربما فهموها خطأ، فظلوا على تسلطهم رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات على احتلال العراق دون أن يؤدي ذلك إلى تغيير حقيقي في العالم العربي.
إن الحاكم المتسلط المكروه من شعبه يتحول ـ مع الإيغال في الظلم ـ إلى رهينة أمام القوى الطامعة، لأن من عادة الديكتاتور أن يضعف دولته ومجتمعه ويحول شعبه إلى مجموعة من البؤساء العاجزين عن مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، لذا عندما يأتي العدو محتلاً لا يجد من هو قادر حقاً على مقاومته. وليس حقيقياً ـ كما يظن البعض ـ أن الجيوش وحدها قادرة على حماية العروش، فالشعوب هي القادرة على حماية العروش والأوطان، عندما يكون الوطن وطنها وتشعر فيه بالعدالة على كل المستويات.
إن درس العراق منذ ما قبل الاحتلال وحتى اليوم لم يحظ بعد بالدراسة العلمية العميقة حتى نتعلم من دروس هذه الكارثة ونمنع تكرارها، وما لم ندرس ونتعلم ونتغير فإن خطر التكرار قائم مع استمرار تسلط النظم القمعية على كثير من الشعوب العربية، وإن لم يكن بيد أميركا فبيد إسرائيل التي يغريها الضعف الداخلي المتصاعد بكثير من المجتمعات العربية على غزونا واحتلال أراضينا والتلذذ بقتلنا.