عادت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس إلى المنطقة تتحدث عن الأمن والسلام والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وعن دولة فلسطينية وعن حلفاء الولايات المتحدة وعن دول مارقة وعن الاعتدال وعن الإرهاب وعن المصالح وعن المستحقات. ولكن الدكتورة رايس نسيت أو تناست أن تتحدث عن مصير الشرق الأوسط الجديد الذي ولد أثناء العدوان الإسرائيلي على لبنان، أو الشرق الأوسط الكبير الذي تغنت به الإدارة الأميركية الحالية عندما تحدثت عن نشر الحريات والديمقراطية.
كلنا ندرك حقيقة السياسة الأميركية في الشرق الأوسط أنها سياسة تخبط وانحياز وغطرسة واستراتيجيات فاشلة منذ أكثر من ستين عاماً. ونتذكر بمناسبة زيارة الدكتورة رايس الحالية أنها هي التي قالت عندما أصبحت وزيرة للخارجية الأميركية إن السياسة الأميركية ثبت فشلها خلال الستين عاماً الماضية وأن الإدارة الحالية تريد تغيير هذه السياسة دراماتيكياً وأعلنت بالفعل عن مشروع الشرق الأوسط الكبير.
وحتى لا نغوص في الماضي البعيد ونبقى في الحاضر والماضي القريب نقول إنه منذ أن جاءت هذه الإدارة اليمينية بقيادة هذه العناصر المتغطرسة والجاهلة بالسياسة الدولية وتفاصيلها والنزاعات الإقليمية وتداعياتها والمنطقة بأسرها تعاني من احتقان وعنف وقتل وطائفية ومعاناة.
والمشهد السياسي والأمني والاقتصادي والاجتماعي في العراق الذي يمثل نموذجاً لسياسة الإدارة الأميركية الدولية عموماً والشرق أوسطية خصوصاً، وكذلك إدارتها للملف اللبناني والإيراني والسوري، وتعاطيها مع ملف الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، وأخيراً تدخلها في الصومال والسودان كل ذلك يشير إلى عناصر أساسية لفهم هذه السياسة:
1. سوء فهم وتقدير لطبيعة هذه الأزمات الإقليمية وتداعياتها على السياسة الدولية.
2. غطرسة مفرطة مع توفر قوة عسكرية هائلة تعقد الأمور وتقود إلى مزيد من العنف والإرهاب الدوليين.
3. استمرار تأثير قوى داخلية على صنع السياسات الخارجية لاسيما تلك المتعلقة بالشرق الأوسط.
4. عدم قدرة الإدارات المتعاقبة على تغيير النمطية التقليدية في صنع السياسات الخارجية لاسيما تلك المرتبطة بالشرق الأوسط.
أما فيما يتعلق بالملف الفلسطيني بشكل خاص وزيارة الدكتورة رايس الحالية، وهذا هو موضوع المقال، وإن كانت القضية الفلسطينية منذ نشأتها وحتى الآن ترتبط بشكل مباشر وحيوي بالتطورات العامة في منطقة الشرق الأوسط وتؤثر وتتأثر إيجابا وسلبا حسب التطورات الإقليمية والدولية أيضاً.
ليس مفهوماً أن تأتي الوزيرة رايس إلى المنطقة وتتحدث عن الدولة الفلسطينية سواء المؤقتة أو حتى الدائمة في ظل أجواء إقليمية لا تساعد إطلاقاً على تحقيق مثل هذا الهدف وفي ظل استمرار ذات السياسة الأميركية تجاه إسرائيل والشعب الفلسطيني القابع تحت الاحتلال والحصار ويعاني من اضطهاد غير مسبوق في تاريخ الصراعات لا نريد الحديث عنه الآن.
الأجواء الإقليمية البائسة والسيئة جداً السائدة في المنطقة سواء في العراق أو في لبنان أو ما يمكن أن يحدث في منطقة الخليج العربي بسبب الخلافات الإيرانية ـ الأميركية حول برنامج إيران النووي وسياسة إيران الإقليمية هي أجواء من صنع السياسة الأميركية بامتياز.
لقد تسببت السياسة الأميركية منذ فرض الحصار على الشعب العراقي بعد تحرير الكويت في عام 1991 بخلق حالة فريدة من الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية أثرت بشكل سلبي ومدمر على البنى التحتية العراقية وعلى التركيبة الديمغرافية بحيث أصبح المجتمع منقسماً ومتشرذماً ومنقسماً داخلياً على بعضه ومنفصلاً خارجياً عن محيطه الإقليمي والدولي. الأمر الذي مكن الولايات المتحدة من احتلال العراق عام 2003 ومن ثم تقسيمه على أساس عرقي وطائفي ومذهبي بالتزامن مع تدمير ما تبقى من اقتصاد وبنى تحتية ومؤسسات عامة.
هذه السياسة الحمقاء في العراق زادت من حدة الخلل الموجود أصلاً في موازين القوى بين العرب وإسرائيل من جهة وبين العرب وإيران من جهة أخرى وهذا الخلل الكبير ثبت أنه لا يمكن له أن يخدم المشروع السلمي في منطقة الشرق الأوسط لأنه قاد إلى مزيد من التشدد والرفض من قبل الدول الأساسية في المنطقة وخاصة إسرائيل التي تحتل الأرض وإيران التي تقود مشروعاً مختلفاً ضد المشروع الأميركي في المنطقة.
وفي لبنان عملت السياسة الأميركية على دفع إسرائيل لشن حرب فاشلة على لبنان ودعمها عسكرياً وسياسياً ودبلوماسياً الأمر الذي أجج من مشاعر شعوب المنطقة وازداد الحقد والكراهية للسياسة الأميركية المنحازة وأحرجت الدول الحليفة والصديقة وعززت مواقف الأطراف المعارضة والمقاومة في المنطقة. إضافة إلى ذلك تعمل الإدارة الأميركية لمزيد من محاصرة سوريا لمصلحة التطرف والإرهاب ومزيد من الخلل في موازين القوى لصالح إسرائيل وضد السلام.
في الوقت نفسه نجد في إسرائيل قيادة ضعيفة وفاسدة وفاشلة ولا تتمتع بشعبية داخل المجتمع الإسرائيلي وفاقدة لكل عناصر القوة الأمر الذي ساهم في تقوية مواقف اليمين المتطرف الإسرائيلي لاسيما بعد ضم عناصر متطرفة كافيغدور ليبرمان مقابل يسار ضعيف غير متماسك وفاقد لأي رؤية أو برنامج سياسي ناجح منذ فشل مفاوضات كامب ديفيد الثانية.
لقد بدأت الوزيرة رايس جولتها الأخيرة بعد أن أعلنت سلفاً أنها لا تحمل أي مقترحات أو مبادرة لمعالجة أزمة الشرق الأوسط ولكنها مستعدة للتباحث حول الأفكار القديمة، التي لم تستطع الإدارة الأميركية تحريكها أو تفعيلها وهي في أوج قوتها، ومنها الدولة الفلسطينية وخارطة الطريق التي تاهت في دهاليز صراع الشرق الأوسط وتلافيف عدم الجدية الدولية في معالجة الشرق الأوسط.
والواضح من زيارة الوزيرة رايس ليس الدولة الفلسطينية وإنما مواجهة ما يسمى محور الممانعة الذي يضم إيران وسوريا والمقاومة في لبنان وفلسطين وإيجاد آليات وأدوات شرق أوسطية من دول المنطقة تعمل على احتواء أو ضرب هذا المحور.
إن الحديث عن دولة فلسطينية في ظل وجود انقسامات فلسطينية حادة مازالت تتفاعل على الأرض الفلسطينية على شكل مصادمات ومهاترات سياسية وإعلامية هو حديث عن وهم أميركي يريد أن يفاقم هذه الانقسامات ليفشل كل المحاولات الفلسطينية والإقليمية التي تدعو الأطراف الفلسطينية لتشكيل حكومة وحدة وطنية على أسس وقواعد مشتركة.
لا يشكك أحد بأن الولايات المتحدة تمثل الطرف الدولي الأكثر قدرة على تحريك الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط. ولكن الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي وعملية السلام بحاجة إلى إستراتيجية سلام واضحة وحقيقية تهدف إلى تطبيق القرارات الدولية وتدعو اللاعبين الدوليين والأمم المتحدة للعب دور شريك حقيقي بعد أن ثبت فشل الولايات المتحدة كطرف منحاز لإسرائيل.
كاتب وباحث سياسي
isam997@hotmail.com