نغرق هذه الأيام في بحر التصحيح وجمع الدرجات ومراجعتها وفي رصد العلامات بعد أن نكون قد فكرنا في مستوى الامتحانات وما ينبغي فعله إن كانت تلك الامتحانات أصعب من المستوى المعهود للطالب المتوسط وبالتالي ضرورة رفع العلامات تحقيقاً للعدالة.

والأستاذ في الأعم الأغلب هو في صف الطالب ولا ينتظر منه الرجاء والسؤال عن إنصافه أو التساهل معه. بيد أن ظاهرة «تسول الدرجات» باتت من الظواهر السلبية الخطيرة في العلاقة بين الأستاذ والطالب كما أعايشها منذ انشغالي بالتدريس في جامعة الكويت من العام 1987.

والحق أن التدريس الجامعي عملية ممتعة للذي يهوى مادته العلمية ويكون قد استوعبها وأدرك أبعادها، بيد أن ما ينغص صفو تلك العملية هي العلاقة بين الأستاذ والطالب كما نراه هذه الأيام أو لنقل العلاقة بين الأستاذ و«طالب هذا الزمن»!!

فطلبة هذا الوقت يختلفون بشكل أساسي عن طلبة أيام زمان المدفوعين نحو التعليم وتحقيق أهدافهم وتبوؤ مراكز مرموقة في المجتمع، يساعدهم على ذلك إيمانهم بأن التعليم طريق لتحقيق طموحاتهم فضلاً عن كونه وسيلة للحراك الاجتماعي، حيث كان الكثير من الطلبة الجامعيين ينتمون طبقياً إلى الأسرة المحدودة الدخل.

أما هدف الطالب هذه الأيام فهو الحصول على شهادة ليس إلا، أما أن يتعلم شيئاً جديداً فهذا آخر ما يفكر به. وبالطبع، فأنا هنا أتكلم عن السواد الأعظم من الطلبة، إذ لو خليت خربت!! فالطالب ندفعه دفعاً إلى التعلم، فهو يتردد في شراء كتاب مقرر بثمن بخس قد لا يتجاوز الدينارين، أما إذ طلب الدكتور أكثر من كتاب لينتقي من هذا الكتاب بعض الفصول ومن الآخر فصولاً أخرى، فإن أمله أن يقوم الطلبة بإحضار تلك الكتب كأمل «إبليس في دخول الجنة».

والعجيب أن جميع الطلبة: ذكوراً وإناثاً يمتلكون الهواتف النقالة، وقد سألت ذات مرة عن متوسط ما يصرفه الواحد منهم في الشهر على هاتفه، فكان المتوسط أكثر من عشرين ديناراً، بل لقد وجدت البعض منهم ينفق أكثر من خمسين ديناراً شهرياً على هاتفه، وهم في نفس الوقت يشق عليهم أن يشتروا كتاباً بدينارين!

وعلى ذكر الهواتف النقالة التي غدت بيد كل طالب، فقد أصبحت هذه الهواتف مصدر إزعاج، إذ كنا بالسابق نسمع رنينها المعهود ثم تطور الحال إلى أن أصبحت تلك النغمات مقاطع موسيقية من أغان مختلفة، ولك أن تتصور في قاعة بها أكثر من خمسين طالباً وطالبة كيف سيكون حال المحاضرة وهذه الهواتف ترن وتصدح. لذا، بت أنفق أكثر من خمس دقائق في كل محاضرة أطلب فيها من الطلبة إغلاق هواتفهم أو وتحويلها إلى الوضع الصامت، محذراً بالطرد من لم يمتثل لهذا الأمر.

ولا تعدم أن ترى بعض الطلبة في قاعة المحاضرة وقد حضروا دون أن يكون معهم حتى قلم وكأنهم دخلوا إلى الجامعة بطريق الخطأ، وطالما ذَكَّرت أمثال هؤلاء بأن كل صاحب مهنة يجب أن يكون له «عِدَّة» أو أدوات العمل، وكثيراً ما أذكرهم «بالقلاليف» وهم صناع السفن في الخليج العربي، وكيف كان عملهم متقناً بحيث صنعوا سفناً خشبية شراعية وصلت إلى شواطئ النيبار وشرق أفريقيا، وكيف كانت أدوات العمل عند هؤلاء عزيزة، وكيف صنعوا بها مجد هذه المنطقة.

إن جامعاتنا ليست منارات للعلم ونشر الثقافة والتفكير الحر، إنها مؤسسات لتخريج الكتبة والموظفين. فالتعليم الجامعي عندنا لم يتح للطالب تعلم البحث العلمي بمستوى تحصيله العلمي، ذلك أن غاية أي نظام تعليمي حديث هو إيصال مجموعة من المعارف الأساسية ثم تعليم الطالب كيفية الاستزادة والتعمق في مجال تخصصه وحل الإشكالات المختلفة التي ستواجهه في حياته العملية بعد التخرج.

وأقول بكل اطمئنان وثقة أن الطالب الجامعي عندنا حتى في سنواته الدراسية الأخيرة غير قادر على كتابة بحث مبسط وقصير لا تعدو عدد صفحاته الخمس!! بل هو يفتقر إلى كثير من المهارات الأساسية للتعليم الجامعي وهي مهارة القراءة والكتابة والشرح والتوضيح والتلخيص والإلقاء والمناقشة والنقد وغيرها.

إن الطالب الجامعي عندنا هو نتاج لنظامنا التعليمي القائم على التلقين وعلى تدريس المعارف المختلفة وكأنها حقائق ثابتة لا يدخلها الباطل من بين يديها أو من خلفها!!

فخلال سنوات طويلة كنت أمتحن طلبتي بطريقة الامتحانات المقالية المعهودة (من قبيل اشرح ما يلي..) قبل أن تحولنا الجامعة إلى نظام الامتحانات الموضوعية (المعروف شعبياً امتحانات الصح والخطأ)، وأتذكر إنه في سنوات طويلة ومن خلال امتحانات كثيرة لم ألحظ أن طالباً استخدم الصيغ الترجيحية كأن يقول: أنا أعتقد، أو أنا أظن، أو أغلب الظن وهكذا. فهذه التعبيرات غائبة عن قاموسهم!

ومما يجعل حصاد التعليم الجامعي عندنا قليلاً بالذات في تخصصات العلوم الاجتماعية هو ندرة الكتاب الجامعي المتقن الذي يعرض للطالب المعلومات الأساسية بعلمه بشكل سلس ومتدرج ويراعي مستواه العلمي وحصيلته المعرفية.

وقد يتعجب القراء حينما يعلموا بأن تخصصاتنا تفتقر إلى كتب أساسية كمدخل إلى علم الاجتماع أو إلى علم النفس، رغم مرور أكثر من سبعين عاماً على إنشاء أقسام علمية لهذه التخصصات في الوطن العربي. وما ندرسه إما كتب قديمة أو أخرى دون المستوى العلمي المطلوب!! وتصيبنا الحسرة والألم حينما نقارن بين ما يدرس من كتب في الدول الغربية وما نقوم بتدريسه، ونغبط تلك الكليات التي تدرس موادها باللغة الإنجليزية لأنها تجلب آخر ما تنشره مطابع الجامعات الغربية!

أما لماذا لا يضع الأكاديميون العرب كتباً جامعية بالمستوى العالمي أو قريباً منه فهو أمر يطول بيانه وملخصه أن سوق الكتاب الجامعي سوق محدودة، والكثير من الجامعات إما إنها لا تدخل تأليف الكتاب الجامعي ضمن أعمال الترقية، أو تحسبها كبحث واحد.

وليتصور قراؤنا الكرام بأن أستاذاً جامعياً توفر على وضع كتاب علمي ولنقل من 400 صفحة بمستوى ما هو موجود في العالم ( وهذا العمل بالطبع يأخذ وقتاً وجهداً استثنائياً ) إن هذا الكتاب هو بميزان بحث مُحَكَّم من عشرين صفحة عن علاقة عمل المرأة بمعدلات الطلاق مثلاً!!

ومهما تكن مشاق عملية التعليم عموماً والتعليم الجامعي خصوصاً إلا إن جهد الأستاذ المخلص لا يذهب هباءً منثورا. صحيح أن ثمة سلبيات في طلبتنا ناتجة عن البنية الاجتماعية الجديدة، وصحيح أن ثمة صعوبات أخرى متعلقة بالكتب وغيرها، إلا إن عطاء الأستاذ سرعان ما يظهر على طلبته في تفاعلهم وأدائهم، ولعل ذلك هو رأسمال الأستاذ وهو يقيناً مبعث سروره.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com