منذ اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري قبل نحو سنتين وتحديدا في 14 فبراير 2005 ولبنان يعيش بوتائر سريعة أحداثا دراماتيكية شديدة الوطأة على مواطنيه. فبدءا بحالة الاصطفاف السياسي الحاد التي عبرت عنها المظاهرات الضخمة التي انتقلت في قلب العاصمة بيروت خلال شهري فبراير ومارس من العام نفسه، مرورا بالحرب الإسرائيلية الهمجية على لبنان .

والتي خلفت دمارا واسعا في بناه التحتية ومنشآته واستنزفت مقومات عيش العديد من أبنائه، وصولا إلى التمترس السياسي في الساحات العامة وداخل مقر رئاسة الوزراء، تتبدد آمال اللبنانيين يوما بعد يوم بحياة مستقرة على أرض وطنهم ويشعرون بأنهم مهددون في حياتهم ومستقبلهم خصوصا وأن مخيلتهم لا تحتاج إلى عناء تفكير لسيناريو الأحداث المرعب في حال انفلات الأمور من عقالها وتحول حال المراوحة وانسداد الأفق إلى خطر الاحتكاك المباشر.

وإذا كان منسوب الوحشية التي مورست على اللبنانيين خلال الحرب من ترعيب وتدمير وقتل وتهجير قد أحدثت شرخا ونزفا عميقا في الجسد اللبناني، فإن سياسة شد الحبال التي تمارسها الأطراف اللبنانية بعد انتهاء هذه الحرب وما تحدثه من تأجيج لمشاعر الاحتقان والعداء السياسي والطائفي، تشكل بحد ذاتها دافعا أكبر لدى الكثير من اللبنانيين إلى القلق وربما القنوط والتفكير الجاد بالهجرة والرحيل عن الوطن.

ومن يقصد العاصمة اللبنانية هذه الأيام يلاحظ حدة الانقسام التي تكتنف جنبات هذا الوطن. فعلى الطريق من المطار إلى العاصمة أعلام لبنانية مرفوعة على واجهات المنازل يعبر ساكنوها عن تأييدهم القاطع للحكومة في حين يتجه مؤيدو المعارضة إلى قلب العاصمة التجاري حيث تنصب الخيام وتقام المهرجانات والمؤتمرات والندوات وترفع الاحتجاجات.

وإذا كانت هذه المظاهر تنتشر بشكل ظاهر للعيان في جميع أنحاء العاصمة فهي لا تمثل إلا غيضا من فيض مما يجري داخل هذه العاصمة بين قاطني البنايات والشقق وداخل البيوت وأحيانا في إطار العائلة الواحدة. فاللبنانيون هذه الأيام في حال اشتباك مستمر، ولا يحتاج الأمر إلى كثير عناء لتحويل أي حوار إلى شجار والانتقادات لا توفر أحدا ولا تراعي مشاعر الطرف الآخر.

ما يدعو إلى التفاؤل في وسط كل هذه التجاذبات أن اللبنانيين جميعهم مدركون ما تخبئه لهم الأقدار في حال اشتعال أي حرب جديدة، والسيناريو العراقي ماثل أمام أعينهم بشكل واضح وهم يكررونه في كل أحاديثهم ويدعون إلى عدم الانزلاق إليه.

وإذا كان هذا الأمر يدعو إلى الاطمئنان، إلا أن كم الثناء الذي يكيله اللبنانيون في المقابل على من غادر البلاد للإقامة في الخارج لا يمكن إلا أن يثير الإحساس بالحزن والخسارة لما آلت إليه الأوضاع عامة بعد أن كان مفترضا أن يشكل دحر القوات الإسرائيلية مصدر شعور وطني جامح بنشوة النصر.

والقلق مصدره الخشية من أن تسبب حالة المراوحة خلخلة في المجتمع في ظل تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية وأن يشهد البلد مزيدا من الاندفاع نحو الهجرة ما لم يعمل جديا على تثبيت مقومات الصمود بكل متطلباته ومقوماته السياسية والاقتصادية والأمنية.

ونصيحة لكل من يقصد العاصمة اللبنانية هذه الأيام طلبا للراحة والاستجمام والهدوء والاستمتاع بالهواء النظيف وسقوط الثلوج، أن يتفادى الوقوع في وسط تراشق سياسي يبدأ ولا ينتهي ويصيبه منه ما يصيبه. ويقال في لبنان هذه الأيام على سبيل الطرفة إن أحد أصحاب عربات بيع القهوة في العاصمة كتب لافتة يطلب فيها من الزبائن الامتناع عن التحدث في السياسة عند طلبهم فنجان قهوة.

من يقضي إجازته في بيروت يحتاج إلى إجازة، والظروف الصعبة التي يعيشها اللبنانيون تتلبس كل من يقصد هذا البلد وتصيبه بالإعياء والغثيان. ومن يريد أن يستمتع بإجازته في بيروت هذه الأيام طالبا للراحة والاستجمام عليه ألا يسرف في التفاؤل بأن البلد بألف خير وان لبنان كطائر الفينيق وأن أهله يحيون حياة هنيئة يمضون لياليهم في السهر والغناء والرقص كما تظهره برامج وسائل الإعلام اللبنانية. فاللبنانيون في هذه الأيام الصعبة لا يتطلعون إلى الفرج بقدر ما يواجهون التأزم في الأوضاع السياسية بالهروب إلى الخارج.