إن التحدي الحقيقي أمام كل المدن هو أن تعمل على الاقتراب قدر المستطاع من معالم المدينة الفاضلة، وبداية الاقتراب هو تغيير النظرة إلى الفرد، وإعطاؤه حقوقه السياسية والاجتماعية، وأن يصبح كل المواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، لأن المواطن هو حجر الزاوية في المدينة الفاضلة.
إن «المدينة الفاضلة» هي مجتمع من المواطنين الفضلاء في الفكر والعمل والعلاقات الاجتماعية. فـ «المدينة الفاضلة» مجتمع بشري، يتكون نتيجة غريزة الإنسان في حب الاجتماع، لأن الإنسان مدني بالطبع، فقد خلقه الله بحيث لا يستقل وحده بشؤونه، بل هو محتاج إلى مشاركة غيره من المواطنين في مجتمع يلتقي فيه الجميع على تحقيق الخير والمصلحة العامة.
إن المواطن الصالح هو أساس المدينة الفاضلة. ولذلك جاء الأنبياء يدعون إلى صلاح الفرد، كما دعا فلاسفة السياسة إلى تكوين المواطن الصالح، لأنه جوهر المدينة الفاضلة.
ولن نتحدث عن وجوب أن يحمل الأفراد المبادئ الأخلاقية في حياتهم وتصرفاتهم، وفي العلاقات الاجتماعية بينهم مثل: إتقان العمل، وحب الآخر، وسلامة الصدر من الأحقاد، والتواضع بين الناس، والابتسامة في وجوه الآخرين، ومساعدة المحتاج، واحترام الصغير للكبير، وعطف الكبير على الصغير، وحسن القول ولين الكلام، والرفق في المعاملة، والتحلي بالجود والكرم، والسعي لرفعة الوطن، والبعد عن الغش والكذب، وعدم النميمة، والنظافة.. الخ.
نقول لن نتحدث عن هذه الصفات الأخلاقية للأفراد في المدينة الفاضلة» التي يحلم بها كل مواطن، والتي يتمناها كل فرد، بل نريد أن نتحدث عن أخلاقيات المواطن.
وقد يتساءل البعض:
ما هو المواطن؟
تُعرف «دائرة المعارف البريطانية» المواطنة بكونها تلك العلاقات التي تنشأ بين الفرد والدولة كما يحددها قانون تلك الدولة وبما تتضمنه تلك العلاقة من واجبات وحقوق، وتشير «موسوعة الكتاب الدولي» إلى أن المواطنة تعني العضوية الكاملة في الدولة، ويرى «برهان غليون» في كتابه «نقد السياسية، الدين والدولة» أن فكرة المواطنة تأتي كتحالف وتضامن بين أناس أحرار.
ومن الضروري وجود أساسين للمواطنة هما:
1 ـ المساواة بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات.
2 ـ المشاركة في الحلم بالطريقة الديمقراطية عن طريق المجالس الشعبية أو البرلمان.
ونجد مفهوم المواطن حاضراً في الكثير من دساتير البلدان الوطنية، مثل دستور دولة الإمارات العربية المتحدة، إذ يشير إلى أن الجميع سواء أمام القانون؛ ليصبح هذا الأخير هو المنظم المركزي والجذري للعلاقة ما بين المواطنين المتساوين الأحرار، بيد أن هذا المفهوم سيشهد تحولاً نوعياً مع بروز النهج الديمقراطي المتمركز حول فكرة الحرية الفردية والعقلانية وتقوية مركز الفرد، لتعرف المواطنة تطوراً مستمراً تزامن مع تطور مسيرة النهج الديمقراطي المرتكز حول خيارات الفرد وحريته واعتباره مرجعاً أساسياً للخيارات الحياتية والسياسية سواء تعلق الأمر بمجالات السياسة أو الاقتصاد أو أي مجال عام.
ومع بداية القرن الحادي والعشرين شهد هذا المفهوم تغييرات جوهرية في مضمونة واستخدامه، فلم يعد فقط يجسد العلاقة بين الفرد والدولة في شقها السياسي والقانوني، بل صار الاهتمام بمفهوم «المواطن» يطغى على كل مناحي الحياة السياسية، محتلاً بشكل تدريجي بؤرة التحليل السياسي، بل ومركز الإصلاح العام لأي مدينة أو دولة تريد النهوض والتقدم.
وبعد أن عرفنا مفهوم المواطن بشكل عام يبقى أمامنا أن نعرف أهم سماته في المدينة الفاضلة، وهي:
1 ـ الإرادة الحرة: فالمواطن يجب أن يكون حراً، ويتمتع بقدره على اتخاذ القرار على كل المستويات، لكنها ليست الحرية المطلقة بل الحرية التي تقوم على وعي اجتماعي وسياسي.
2 ـ التنظيم: لابد أن يكون المواطن خاضعاً لتنظيم سياسي يحكم المدينة الفاضلة، وهذا التنظيم قائم على نظام ولوائح تحدد شروط العضوية ومنهج العمل داخلها، كما يوجد نظام عام يحكم ويحدد العلاقات بين كل المواطنين، ويحكم العلاقة بينهم وبين الدولة.
3 ـ التسامح وقبول التعددية: فالمواطن في المدينة الفاضلة يعرف أن التعددية علامة من علامات النضج السياسي والاجتماعي لا سبيل للقضاء عليها، سواء على مستوى المجتمع الواحد أو على مستوى المجتمع العالمي، والمواطن في المدينة الفاضلة لديه قبول كامل لهذه التعددية واعتراف بها وتسامح تجاه ما ينتج عنها من اختلافات.
فهل تتوافر السمات الثلاث في مواطن المدن غير الفاضلة؟
لاشك أن ثمة جوانب عديدة لاتزال غائبة، وهذا يستلزم نوعاً من التفكير والتقييم المتأني.. فإذا نظرنا نظرة سريعة إلى بعض المدن غير الفاضلة، نجد أساساً عدم وجود مفهوم المواطن، بل نجد مفهوم العبد أحياناً، ومفهوم المواطن ناقص الأهلية أحياناً أخرى.
ولا نقصد بمفهوم العبد المعنى التقليدي لذلك الإنسان الذي يباع ويشترى في الأسواق، بل نقصد العبد بمعناه الحديث، وهو ذلك الشخص التابع المقيد غير الحر الذي لا يتمتع بالحقوق السياسية.
أما ناقص الأهلية فهو الذي يتمتع ببعض شروط المواطنة لكنه يفتقد إلى البعض الآخر.
إن المدن غير الفاضلة تعامل رعاياها كما لو كانوا قطيعاً من الحيوانات التي ليس لها إرادة حرة، وليس لديها الحق في صناعة أي قرار يخص الدولة التي ينتمون إليها.
والفرد الذي تربى في المدن غير الفاضلة على نهج العبودية، هو فرد يتسم باللامبالاة، والسلبية، والخضوع، إنه شخص جبان يخشى أن يقول رأيه في أي موضوع سياسي، أو اقتصادي، يخشى نقد أي مسؤول سواء كان كبيراً أو صغيراً، ومع أنه سلبي، فإنه غير متسامح، ولا يعترف بالتعددية، وهذا أمر غريب وينطوي على تناقض واضح.
والسؤال الآن: من أين تأتي التعددية في المدن غير الفاضلة وهي مدن مستبدة قائمة على استعباد الناس؟!
ولذلك فالمدن غير الفاضلة مدن ليس فيها إلا رأي واحد، وثقافة واحدة، إنها مثل الدول الشمولية السابقة في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفييتي المنهار! ومثل أية دولة تقهر مواطنيها، وتعاملهم معاملة العبيد سياسياً الذين عليهم أن ينفذوا أوامرها دون مراعاة للدستور والقانون.
جامعة الإمارات
Razak_doc@hotmail.com