أرقام مجزرة الطلاب في الجامعة المستنصرية ببغداد، والأرقام التي حملها تقرير الأمم المتحدة عن حصيلة الضحايا من المدنيين العراقيين خلال العام الماضي، تعيد تسليط الأضواء بقوة على الجانب الدموي المرعب للمأساة العراقية. أكثر من سبعين طالباً وضعفهم من الجرحى سقطوا في هجوم انتحاري أول من أمس، عدا الذين حصدتهم الهجمات في أمكنة أخرى من العاصمة، حيث قفز الرقم إلى أكثر من مئة في يوم واحد.

وفي الوقت ذاته وحتى يظهر المشهد التراجيدي في إطاره الأشمل، ذكر تقرير لبعثة الأمم المتحدة في بغداد أن حصيلة ضحايا عام 2006 بلغت أكثر من 34 ألف قتيل، هذا في حدود المعروف.

ويسلط التقرير الأضواء على الأبعاد المريعة للوضع، من انفجار «عمليات الانتقام واستمرار استهداف النساء والأقليات»، الأمر الذي أدى إلى تزايد «نزعة الهجرة والنزوح» فضلاً عن ملاحقة المثقفين من أطباء ومحامين ومهندسين ورجال إعلام؛ سواء بالاغتيال أو بعمليات «الخطف» وسط حالة تتسم «بالانهيار الشامل للقانون والنظام».

إلى جانب ذلك صدرت عن مراجع فلسطينية «تحذيرات من احتمال تكرار صبرا وشاتيلا أخرى لفلسطينيين في العراق»، بالإشارة إلى عمليات المضايقة والمطاردة التي تتعرض لها تجمعات سكانية فلسطينية من اللاجئين هناك. صورة شديدة السواد، ليس للحالة الراهنة فحسب، بل أيضاً للمشهد العراقي في الآتي من الأيام والأشهر المقبلة.

لقد بات العراق لا ينتج سوى أكوام الموتى. أعداد الضحايا تتراكم على غير انقطاع. مصنع الموت هناك لا يتوقف. لا يأخذ حتى إجازة قصيرة، والإنتاج من النوع المقزز والمخيف، إلى حدّ يمكن معه القول بأن الجثث التي يتم العثور عليها من دون تشنيع أو تقطيع فيها يكون أصحابها من الذين حظوا ب«الرحمة»، إذا جاز التعبير.

وبالرغم من هول المشهد صارت أرقام الضحايا تمرّ مرور الكرام. وكأنها باتت متوقعة وأن تردادها يأتي من باب تحصيل الحاصل. أو كأن الموت العشوائي، الذي تحصد ماكينته الجنونية العراقيين بالجملة، بات ضريبة قدرية يدفعها الشعب العراقي، وحتى أجل غير مسمّى. وبذلك فالنزيف مفتوح على النضوب والتفريغ. يرفده في ذلك نزيف الهجرة والتهجير والنزوح.

الأضواء في معظمها مسلّطة على اليوميات السياسية العراقية، ومؤخراً على خطة الرئيس بوش وما تختزنه من عوامل تصعيد، تزيد من صبّ الزيت على النار وبما قد يفتح أبواب جهنم على مصاريعها، في بلد خارت قواه وصار بالكاد قادراً على التنفس.

لقد آن أوان التعامل مع صناعة الموت وانتاجها الغزير في العراق، حان وقت اعتراض آلته. بلد يستوطنه مثل هذا الهلاك اليومي، الفالت من كل عقال، لن يبقى فيه شيء للتسوية أو لبناء دولة ومؤسسات، ناهيك عن الاستقرار والأمن والسلام.

العراق يحتاج أولاً إلى عملية إنقاذ توقف دورة الموت والنحر والانتحار. فلتتوجه كل الجهود والأوراق والمفاتيح نحو هذا الهدف، قبل أن ينتهي ما يصلح من حلول ومصالحات في هذا البلد.