استباقا لما سيدور في اجتماعات وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس مع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي ومصر والاردن, فاننا نرى ملامح صفقة لابد وأن تتم بين الجانبين العربي والاميركي تتضمن المشاركة في مبادرة بوش في العراق مقابل انصراف ادارة بوش لحل القضية الفلسطينية وإنهاء النزاع حولها وفق مبادرة الملك عبدالله بن عبدالعزيز في بيروت, وكان يومها وليا لعهد السعودية, والتي تحولت فيما بعد الى مبادرة عربية تعتمد على مقايضة الارض بالسلام.

وعلى هامش هذه الصفقة هناك ايضا مستقبل المواجهة الاميركية مع ايران والتي بدأت طهران تفهم هذه الايام أنها مواجهة لا يمكن المضي بها حتى النهاية لانها ستكون مواجهة انتحارية قد تؤدي الى سقوط نظام الجمهورية الاسلامية الايرانية, والى إلحاق الاضرار العسكرية بدول الخليج التي تقع في اقليم بترولي ممنوع إشعال عود ثقاب فيه.

لدينا الان مبادرة الملك عبدالله العربية للسلام. ان بامكان الولايات المتحدة إقناع اسرائيل في هذه الظروف بأنها مبادرة ذهبية تلبي رغبتها في إحلال السلام, ووضع حد لهذا الصراع المصيري الذي لن تكون خاتمته, مهما طال, لصالح وجود اليهود في المنطقة إذا ما ظلوا على تظاهرات القوة يحمون بها أطماعهم ويفرضون بواسطتها أمرا واقعا لن يدوم لانه ضد مجرى التاريخ.

لقد ضحى العرب من أجل السلام, وتخلوا عن أرض ما كان يمكن ان يتخلوا عنها من أجل بلوغ هذا الغرض, فماذا تريد اسرائيل حين ترفض هذه التضحية, وتتنكر ليد السلام الممدودة من قبل العرب? لو قرأنا تاريخ اليهود لوجدنا ان سبب بلائهم طمعهم, والمفروض ان يتخلوا عن هذا الطمع مقابل ضمانات تأتيهم من حليفهم الستراتيجي وهو الولايات المتحدة الاميركية.

المبادرة العربية واضحة الاهداف, وتريد السلام, وحين ستقبل بها اسرائيل أساسا للحل فانها تقدم بذلك خدمة تاريخية لأجيالها الجديدة التي لا تمتلك عقلية الرواد القدماء, ومفاهيمهم الصهيونية التوراتية المنغلقة, كما ستنهي بقبولها ايضا كل مبررات الحركات الاصولية والقومية التي ينشط فيها المتعصبون العرب والمسلمون, وتمتاز بالالغاء والعدوانية والتطرف.

هذا جانب باستطاعة الولايات المتحدة ان تجبر اسرائيل على الأخذ به مقابل بقائها وأمنها, وفي نفس الوقت انتزاع فتائل التوتر من المنطقة كلها, والتي أصبحت أزماتها متجمعة حول القضية الفلسطينية والمتاجرة بها. أما الجانب الاخر الذي تعنى به دول الخليج ايضا فهو جانب ايران التي لا يريدون ان تنتهج سياسة تعرضها الى مواجهة المجتمع الدولي ومواجهة الاجراءات الحربية.. ان دول الخليج ترى ان ايران اذا ما واصلت سياستها الراهنة, واستفزاز المجتمع الدولي, وتحدي قرارات الشرعية الدولية, فانها, اي دول الخليج, ستظل تشعر بالخطر لان ضرب ايران لن يبعدها عن الاثار وعن الشظايا, وهي دول, كما قلنا تقع في اقليم نفطي يمنع فيه إشعال أعواد الثقاب.

هذا القلق الخليجي بامكان الولايات المتحدة أن تبدده ولو بالاتصال غير المباشر مع ايران وعبر وسطاء, كما فعل لاريجاني في زيارته الاخيرة للسعودية, وكل ما في الامر ان يرتبط الاطمئنان الايراني على النفس بالابتعاد عن الساحتين العراقية واللبنانية, والابتعاد عن الدول الخارجة على القانون الدولي والتوقف عن مساعدتها.

وبمناسبة اجتماع رايس بوزراء الخارجية الخليجيين, مع الوزيرين المصري والاردني, يجوز لنا ان نعترف أننا لسنا ضالعين بتفاصيل المجتمع المدني الأميركي, وبصراعاته ومكوناته, وخصائصه المؤثرة على واضعي السياسة وراسمي الستراتيجيات. نحن نعترف بهذه الخطيئة وندرك ان أسبابها عائدة لتعرض المنطقة الى مرور عاصفة من البضائع السياسية التي راجت من أيام الناصرية وانكماش الحالات الديمقراطية. والآن نحن في وضع مماثل تحل فيه الأصولية الدينية(اسلامية, مسيحية, ويهودية) محل الاصولية القومية( البعثية والناصرية), وبالتالي فان الأجواء مهيأة لمواجهة هذه الأصولية التي انتهجت الارهاب وسيلة سياسية للوصول. والمهم أن تنتهز أميركا هذه الفرصة فتبدأ بتفكيك العقدة الأصولية الأولى, وهي عقدة اليهودية السياسية, فتضغط على اسرائيل لتكون دولة مدنية تقبل بمجاورة دولة فلسطينية حديثة تعيش معها بسلام, وتنهي بذلك دعارة سياسية مزرية انخرط في الاتجار بها عرب ومسلمون وكل الطامحين للعب أدوار المزايدة والاستثمار في دكاكين السياسة.

لابد لأميركا أن تعي مصالحها اذا كان العرب غائبون عن فهم تفاصيل مجتمعها المدني ومعرفة القوى التي تتحكم بقراراته.. أميركا الآن تمضي مع رئيس في آخر ولاية له, لن يجدوله أحد, ولن يضطر إلى مجاملة أحد لاقرار سياساته, وعليه في الوقت نفسه ان يسجل في تاريخه أنه خدم المصالح الوطنية الاميركية بعيدا عن الضغوطات والتأثيرات الآتية من مناخ اسرائيل ومناخ المصالح المتحالفة معها, الى جانب مناخات العالم الحر. والأميركيون يقولون دائما طالما اعترفت بوجود التنين فعليك ان تقتله قبل ان يأتي اليك ويقتلك. وأميركا قادرة على هذا التنين الذي يعيق خططها في العراق, ويدمر مشاريعها للشرق الأوسط الكبير والصغير, ويضعها في مكانة الطرف الأضعف وهي تفاوض من أجل تسويق سياساتها, والخروج من مستنقعات الوحل وأشداق الرمال المتحركة.

احمد الجارالله