تفرز وقائع التاريخ المعاصر توازنات ربما تحتاج الى اعادة النظر في ثوابت العلاقات الخليجية مع باقي دول العالم. ولا جدال في أن مجلس التعاون لدول الخليج العربية قد اقام علاقاته مع العالم على اساس من تبادل المصالح في اطار من الاحترام الكامل لظروف كل منطقة والحاجات الاساسية لكل شعب، لكن طبيعة العلاقات الدولية على اجمالها صارت نهبا للضغوط السياسية ومحاولات فرض الإملاءات وبخاصة حين يكون ثمة طرف يشعر بقوته السياسية والاقتصادية والعسكرية ايضا.
لكن ثمة تكتلات اقتصادية تحترم تفاعلات قوى السوق احتراما كاملا وتنأى بنفسها عن ممارسة أية ضغوط سياسية أو إملاءات مصلحية واحدية الجانب، ومن أهم تلك التكتلات بل وفي مقدمتها ما يعرف الآن بـ(رابطة دول جنوب شرق آسيا) (الآسيان) فهذه الدول عمدت الى بناء اقتصادياتها على أساس تبادل المصالح وتكامل الامكانيات، وهذه ميزة كبيرة في علاقات هذه الدول وبينها سنغافورة التي بدأت امس مفاوضات اتفاقية منطقة تجارة حرة مع دول الخليج العربية في مسقط.
ولا شك ان تطوير علاقات دول المجلس مجتمعة مع هؤلاء النمور سيعود بالنفع على شعوب المنطقة الذين تربطهم بجنوب وجنوب شرق آسيا علاقات وقواسم مشتركة تتخذ طابعا مميزا في وجه من الوجوه، وتتوزع ما بين قواسم مشتركة دينية واخرى تاريخية وثالثة ثقافية. لا بل وقد تجتمع كل هذه القواسم معا في علاقات دولة ما من دول جنوب وجنوب شرق آسيا مع دولة من دول المجلس أو مع دولة مجتمعة، ذلك فضلا عن حركة اليد العاملة والطاقة وتبادل الخبرات والاستثمارات في شكل من اشكال الندية والاحترام المتبادل، مما أفضى الى إنشاء هياكل اقتصادية قوية ومنشآت صناعية واعدة على كلا الجانبين ،وتأتي المرونة في العلاقات من خلال مشاهد ذات معنى في التجاوب مع متطلبات العمل الجماعي وتعزيزه وتأكد ذلك حين وافقت دول المجلس على تحويل اتفاقية بين سنغافورة وقطر الى اتفاقية جماعية لن تستغرق وقتا طويلا حتى يتم انجازها بوجهها الجديد الأشمل.
ويتطلع المجلس لمستقبل علاقات واعد مع سنغافورة من خلال اتفاقية التجارة الحرة هذه بالنظر الى قوة اقتصاد هذه الدولة الآسيوية رغم صغر مساحتها الجغرافية.
بالطبع لقد شهدت العلاقات البينية بين دول المجلس منفردة وهذه الدول الناشئة تقدما كبيرا وتبادلا تجاريا قويا عزز الاقتصاد الوطني لكلا الجانبين ، الا ان عمل دول المجلس بشكل جماعي مشترك مع هذه الدول يضيف ميزة نوعية لصالح دول المجلس ينبغي البناء عليها، خاصة وان ثمة اتفاقيات مشابهة مع دول اخرى تضيف مزيدا من الأمل في مستقبل اقتصادي واعد لدول المجلس يحفز مشروعاتها التنموية وبرامجها النهضوية.