اهتزت العاصمة العراقية يوم أمس بمجموعة من الانفجارات وحوادث إطلاق النار التي تسببت في سقوط حوالي 100 قتيل في يوم عنف هائل ، بدون أن تدخل في المعادلة نتائج الإعدامات والتصفيات الليلية التي يتعرض لها العراقيون الأبرياء على ايدي ميليشيات الموت الطائفية.
تفجيرات وأحداث يوم أمس في بغداد كانت مؤسفة إلى حد استثنائي بالرغم من سيادة طابع العنف منذ فترة طويلة لأن ضحايا التفجيرات كانوا طلابا في جامعة المستنصرية ، ومن الواضح أن حرب إبادة العراقيين لا تترك طرفا أو فئة إلا وتستهدفها.
إن هذا التعمد الوحشي لاستهداف طلبة الجامعات بعد سلسلة من التصفيات التي طالت أبرز العقول الأكاديمية العراقية تؤكد بأن هذا العنف ليس عشوائيا بل يحمل سمة من المنهجية في محاولته لاستهداف كل الطاقة الكامنة التي يمكن أن تحقق التقدم والنمو في العراق وفي طليعتهم المتعلمون والأكاديميون وطلبة الجامعات.
في هذه الأثناء تستمر الحكومة العراقية في تجاهلها لخطورة الوضع الأمني خارج المنطقة الخضراء في بغداد وتواصل استمرار مسلسل الثأر والانتقام من رموز النظام السابق بطرق تفتقر إلى السلوك الحضاري.
وبنفس الوقت فإن الإدارة الأميركية تبدو مصممة على تنفيذ استراتيجيتها التي تعرضت لانتقاد وغضب وسخط داخلي وخارجي وشبه قناعة دولية بعدم إمكانية تحقيق أي تقدم في مجالات الأمن والاستقرار عن طريق ضخ المزيد من جنود الاحتلال والمواجهات مع العراقيين.
استمعت السيدة كوندوليزا رايس في جولتها في المنطقة إلى كلام موحد من القادة العرب وهو توجه ارتكز على ضرورة دمج كل التيارات العراقية في عملية سياسية تحفظ حقوق الجميع ولا تعكس نمطا محددا من السلطة الطائفية ، ولكن لا يبدو أن الإدارة الأميركية تملك ميزة الاستماع والاقتناع بوجهات نظر أخرى حتى لو كانت منبثقة من معرفة دامغة بخصوصيات المنطقة.
الإدارة الأميركية لا تزال تسير بالعراق إلى درب التهلكة ، وفي رغبتها الأكيدة بمواصلة سيطرتها على مصادر النفط واستخدام العراق قاعدة رئيسية لتنفيذ مخططاتها في السيطرة على سياسات المنطقة وحماية إسرائيل وتقليص التهديد الإيراني تركت الإدارة الأميركية للحكومة العراقية الحرية لتنفيذ سياسات مضرة بكل اشكال الوحدة الوطنية وسهلت الظروف لنشوء ميليشيات الموت التي خرجت الآن عن السيطرة وباتت حتى تهدد الأهداف الاستراتيجية الأميركية ، ومرة أخرى تختار الولايات المتحدة القوة والمزيد من القوة.
بدأت الدول العربية الحريصة على المصلحة العليا للعراقيين بالمطالبة بتعديل الدستور العراقي للسماح بمشاركة سياسية أفضل للعرب السنة وتفويت الفرصة أمام المتطرفين من الميليشيات الشيعية والسنية التي تريد التحضير لمواجهة مع بعضها البعض ومع القوات الأميركية في الأشهر القادمة ، ولكن المؤشرات المؤسفة تؤكد بأن الإدارة الأميركية والحكومة العراقية تجدان صعوبة في الاقتناع بضرورة الخيار السياسي المنصف وتجنب التصعيد العسكري الذي سيجعل من التفجيرات والعنف النمط السائد للحياة في العراق الجديد.