شيعة العراق ولبنان على خط ساخن مع أمريكا والمتحالفين معها، وشيعة العراق موالون، يذهبون لواشنطن دون تحفظ، وسنة العراق على حرب متواصلة مع أمريكا ودول الاحتلال، بينما الدول السنية الرئيسية والكبيرة على علاقة تاريخية مع الدولة الكبرى..

وكما انقسم العرب في خمسينات القرن الماضي إلى فريق يتجه إلى الشرق اليساري التحرري الديموقراطي، وآخرين إلى الغرب الامبريالي الاستعماري المتآمر على الأمة العربية وقضاياها، فإن الدورة الجديدة لا تختلف عن سابقتها، حيث تبدلت الأحزاب السياسية، بأخرى طائفية دينية، بينما معظم الدول التي أتيحت لها الفرصة بخلق علاقات مميزة مع الغرب، لم تغير أساليبها، وسلوكها، بل صارت الوسيط وأحياناً الحليف مع أمتها تبعاً لمواقع الخطر، ضد أي تصرف تبديه أو تخطط له دولة خارجية، إلا أن حماقات السياسة تغلبت في كثير من المواقف على الحكمة والمنطق وفق قواعد العلاقات الدولية واللعبة السياسية المرنة..

نختلف في السياسة مع دول الخارج بسباق آني بحيث لم نخطط لاستراتيجيات بعيدة المدى تقوم على سياسات مرحلية وطويلة، نقر الفشل في بعضها، ونؤكد على نجاح الأخرى، ومثلما نتقاتل على رموز تاريخية نتعصب لها وتعيش في وجداننا الدائم، كان من المفترض إجلالها بتتبع سلوكياتها ومثاليتها، وتطبيقها في حياتنا، إذ لا توجد أمة تتخاصم على تاريخها إلا العرب والمسلمين، نقول كان من المفترض أن ندرك أسباب الفشل في حياتنا وطروحاتنا الفكرية، ونفتش بداخلنا حالة العجز الدائم..

الأمن رهان هذه الأمة وفي فوارق القوة لن تكون هناك دولة آمنة إذا ما عصفت بنا قيم الدولة القزمة، أي تفتيت هذه الأمة إلى دويلات بلا سيادة، ولعل من نادوا في لبنان لدول، أو كانتونات شيعية وسنية ومسيحية ودرزية، عرفوا أن مجموع موارد هذا البلد تعتمد على السياحة والصرافة، ومع ذلك ظل توجه التقسيم سياسياً وتاريخياً، أي أن المسيحيين يعتبرون أنفسهم امتداداً لثقافة البحر المتوسط، والمسلمين للعرب أو الشرق لكن الأمور تغيرت عندما تكشفت الحقائق أن لا دولَ بتلك الأحجام حتى الذين راهنوا على رعاية دول غربية أو مشرقية..

موضوع التجزئة بدأ بدويلات الطوائف في الأندلس وتم تكرارها باتفاقية (سايكس بيكو) ثم الدويلات المستحدثة بالعراق والسودان والصومال، وربما لبنان..

الغريب أننا نعيش بجغرافية واحدة، ولغة واحدة، وديانة إسلامية ذات غالبية كبيرة تضم إلى جانبها ديانات وأقليات قومية وأثنية أخرى تعايشت على مدى قرون طويلة، لكن تسييس الدين جاء بكوارث أكبر من النزعات القومية، لأن تلك الدعوات لم تكن أصيلة باعتبارها نبتة غربية قلدها العرب، وهي حقيقة قريبة من المنطق والموضوعية، لولا أنها حاولت عزل الكثير من الموروثات وتجاهل الأقليات، لكن تقسيم الدين إلى مذاهب أدّى إلى قطيعة مع الحضارات ودفع الاتجاه الحاد إلى تفريق الشعب الواحد، هو ما يهددنا جميعاً، ويجعل المطامع بهذه الأمة يجيز التدخل بها من كل القوى الطامعة..