حتى لو لم يقع مشهد تبادل الاتهامات العلني بين رئيس الجمهورية السوداني عمر البشير ونائبه الجنوبي سالفا كير بشأن مسؤولية الخلل في تطبيق اتفاق نيفاشا للسلام فإن الثابت أن بروتوكولات الاتفاقية الثمانية تشتمل على أخطاء بنيوية تتطلب إعادة تفاوض.

لقد أريد لهذا الاتفاق من خلال العملية التفاوضية التي اختتمت في ضاحية نيفاشا الكينية أن يؤسس لعلاقة دستورية جديدة بين شمال السودان وجنوبه، والخطأ البنيوي الأساسي الذي انطلق منه المسار التفاوض هو أن طرفي المائدة التفاوضية لا يمثلان الشمال والجنوب، فحزب «المؤتمر الوطني» ليس سوى تنظيم أقلية بين الأحزاب الشمالية بينما «الحركة الشعبية» لا تمثل سوى قبيلة جنوبية واحدة بين عدة قبائل.

من هذا المنظور لا يمكن بحال من الأحوال اعتبار اتفاق نيفاشا وثيقة قومية تاريخية لإرساء قواعد علاقة مستقبلية بين شمال السودان وجنوبه وإنما هو مجرد صفقة تجارية سياسية على أساس ثنائي أقصيت عنها القوى السياسية والقبلية المهمة في الشمال والجنوب على حد سواء. فعلى هذا الأساس الثنائي جرت صياغة بنود بروتوكول الترتيبات العسكرية والأمنية وبروتوكول اقتسام السلطة.

البروتوكول الأولى ينص على بدعة جيشين رسميين في بلد واحد: القوات المسلحة وجيش التمرد علماً بأن الجيش الثاني لا يخضع لسلطات رئيس الجمهورية باعتباره القائد الأعلى.

في بروتوكول اقتسام السلطة حدد طرفا الاتفاقية ما يريدان من غنائم المناصب في مؤسسات السلطة المركزية، فقد استأثراً معاً بنسبة 80 في المئة من حقائب مجلس الوزراء المركزي ومقاعد البرلمان المركزي تاركين لبقية القوى السياسية والجنوبية قاطبة فتات مائدة يتمثل في نسبة 20 في المئة فقط.

ثم كيف يكون نيفاشا اتفاقاً بين أهل الشمال وأهل الجنوب بينما ينص الاتفاق على إنشاء إقليم مستقل للجنوب ـ بما في ذلك حكومة وبرلمان وجيش وبنك مركزي وعلم ـ دون أن يكون الشمال إقليماً مستقلاً مماثلاً علماً بأن «الحركة» الجنوبية تشارك أيضاً في حكم الشمال من خلال مؤسسات السلطة المركزية.

وكأنما فطن طرفا الاتفاق إلى ضرورة أن يكون لديهما بوليصة تأمين لضمان بقاء هذه الترتيبات الشاذة. فقد نص بروتوكول اقتسام السلطة على أنه لن يسمح لأي تنظيم أو أي شخص ـ شمالياً كان أم جنوبياً ـ بدخول منافسة الانتخابات العامة خلال المرحلة الانتقالية ما لم يعلن مقدماً تأييده لاتفاق نيفاشا والالتزام به.

هذه الأخطاء وغيرها من الأخطاء البنيوية في بروتوكولات اتفاق نيفاشا لن يتسنى معالجتها إلا بإعادة التفاوض حول هذه البروتوكولات. وبطبيعة الحال فإن مثل هذه المراجعة التفاوضية الجذرية والشاملة تتطلب بالضرورة مشاركة كافة القوى السياسية في الجنوب والشمال معاً.

وهنا يطرأ التساؤل الأكبر: هل لدى طرفي السلطة الثنائية ـ «المؤتمر الوطني» و«الحركة الشعبية استعداد لعملية مراجعة تفاوضية تتطلب من كل منهما سلفاً التنازل طوعاً عن الامتيازات والمكاسب الحزبية التي كفلتها لهما نيفاشا؟