يتوهم كثيرون أن المقاومة مرهونة فقط بالرصاص والدم، وأن القتال وخوض المعارك هو كل درجاتها وأشكالها، أو هو مبتدأها ومنتهاها، وأنها في كل الأحوال عمل عضلي سيده الجسد، وأن دور الذهن فيه يقف عند حدود جمع المعلومات عن العدو وتصنيفها وتحليلها، ووضع الحيل والتكتيكات الفنية للمعارك، أو استخدام أساليب الحرب النفسية في التأثير على الخصم، بالكيد له وقهره وإذلاله معنويا، تمهيدا للنيل منه في ميدان المعركة.

وفي زحام الاهتمام بالمقاومة، شكلا وموضوعا، أنتج البعض رؤى ومقولات وتصورات حول السياق الذي يحيط بها، والذي يعني في الأساس توافر الشروط الاجتماعية للفعل المقاوم، والتي تتحقق حين يحتضن المجتمع المقاومين، أو يتحول هو في لحظة تاريخية ما إلى «جماعة مقاومة»، ويعني أيضا وجود اقتصاد يتمتع بدرجة من الاستقلالية، ويقف على دعائم متينة من الرشد والترشيد، بما يقي الجماعة المقاومة من ذل العوز والاحتياج، ويحفظها من الانكسار والاستسلام.

لكن هذا الاهتمام لم يمتد بقدر كاف ومباشر إلي قضية «المنهج المقاوم»، التي تعني في المقام الأول امتلاك القدرة على التفكير المختلف، الذي يتسم بالتجدد ولا يقع في فخ النمطية أو التقليدية. فالمقاوم إن لم يحز مسلكا معرفيا مغايرا لما يجري في مجتمعه فلن يكون بوسعه أن يتشرب فكرة المقاومة ومقاصدها وغاياتها.

وحتى إن انخرط في المقاومة من دون اقتناع بهذا المسلك المغاير، فإن فرص استمراره فيها قد تتضاءل إن قست الظروف، وترسخ إيمانه بها قد يتزعزع إن لم يأت النصر سريعا، أو وقعت نكسات في الطريق.

إن المقاومة في أصلها «فكرة» تختمر وتستنهض الهمم، فتتسابق الأيدي إلى البناء والتعمير، وإلى حمل السلاح في وجه المعتدين. ولأنها فكرة فهي من حيث المضمون منظومة من القيم النبيلة أو الإيجابية، لا تسقط على رؤوس الناس من عل، ولا تنبتها الأرض كالحشائش البرية، لكنها «عملية» تأتي نتيجة إشغال الذهن وإيقاظ المشاعر في اتجاه تحقيق هذه المنظومة.

وتتضافر كل الموجودات أو المعطيات المتاحة أثناء جريان هذه العملية، فتمتزج تعاليم السماء السامية بتاريخ وقائع البطولة والفداء ومتطلبات اللحظة الراهنة من أمن البلد ومصالحه، وحاجة الفرد إلى الشعور بالكرامة، واقتناعه بضرورة الذود عن العرض والشرف.

وهذه العملية لا يجب أن تكون عشوائية، ولا تدور في فراغ، بل تستند إلى ركائز واضحة المعالم من طرق التفكير وأساليبه، أولاها الاعتقاد الجازم في أن أول خطوة نحو حمل السلاح هي امتلاك أسلوب للتفكير، يتمتع بالمرونة على مستوى التفاصيل والجزئيات وثبات ووضوح في التصور العام الكلي.

وهذا الأسلوب يكون بمثابة الحبل السري الذي يغذي فكرة المقاومة، ويحصنها ضد التراجع، فإن تراجعت فيحصنها ضد الموت، ويبقي في أحلك ساعات اليأس على بذرتها سليمة، حتى تنضج الظروف فتعود المقاومة إلى ممارسة فعلها النبيل.

وثاني هذه الركائز هي عدم التخلي عن «المثال» من دون إهمال الواقع أو نسيانه والقفز على حاله ومآله. فتفكير المقاوم إن خضع لما يجري واستسلم لما يدور ما تمكن من أن يسمو على الصغائر، ويؤمن بالتغيير، ويعتقد في أن الغد أفضل من اليوم، وأن النصر آت في نهاية المطاف، ليس فقط بمعنى قهر العدو وإجباره على الاستسلام أو دفعه إلى الانهيار.

بل حتى بعدم تمكينه من تحقيق أهدافه، مهما صغرت درجتها أو بهت لونها. ويلملم المقاوم كل العناصر التي تزكي هذا المدخل الفكري، حتى تزيده صلابة وصمودا، من دون أن يقع في فخ الأوهام والالتباسات التي تصيب أصحاب الأفكار الجامدة، والأيديولوجيات المحنطة.

أما الركيزة الثالثة فتقوم على إيمان المقاوم بضرورة الاستفادة من المداخل والاقترابات والمناهج الفكرية المتاحة والسائدة، سواء التي أبدعها المجتمع الذي يعيش فيه المقاومون، أو أنتجها المجتمع الخارجي، بما في ذلك مجتمع العدو نفسه. فالمقاومة تخطئ حين تشعر بالامتلاء أو الاستغناء عما لدى الآخرين من أفكار تمتد من التكتيكات إلى الاستراتيجيات.

إن للمقاومة أشكالا عدة، منها العسكري، ومنها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وإن من الإنصاف أن نعتبر أن البحث عن منهج فكري ملائم لقضايانا، واقتراب علمي مناسب لدراسة مشاكلنا، وكشف التحيز ضدنا في مناهج الآخرين، هو من ألوان المقاومة، التي لا تقل أهمية عن أشكالها الأخرى.

مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة