يشاهد العالم مظاهر الاحتجاج ومسرحيات تمثيلية هذه الأيام من نمط البانتوميم (التمثيل الإيمائي) ضد معتقل غوانتانامو البغيض في مدن أوروبية وأميركية، وقد حدث عمل مماثل قبل شهور من العام الفائت في مدينة فيينا وشوارعها سلسلة من المشاهد التمثيلية لأقفاص وزنازين الحديد في معتقل غوانتانامو الكوبي الشهير بلونها البرتغالي المميز، ووزع المعارضون في فيينا صورا لوحشية السجن وانتهاكاته الصارخة بنشر الملصقات وتوزيع، البروشيه، الكتيبات التوضيحية والمنشورات الاحتجاجية وتعريف الناس بها.
وكان ذلك التحرك عبارة عن رد فعل على هامش اجتماع ستراسبورغ في الثالث عشر من شهر يونيو 2006، حيث في ذلك المؤتمر عبر مجددا الاتحاد الأوروبي عن قلقه المعلن عبر ضغوطاته المتواصلة بضرورة إغلاق السجن فورا. وعلى هامش المؤتمر والسياق قالت وزيرة خارجية النمسا اورسولا بلاسنيك.
ـ والتي ترأس بلادها الاتحاد الأوربي ـ إن غوانتانامو يعتبر شيئا شاذا وان النمسا ستضغط من اجل إغلاقه على الفور خلال مؤتمر دولي يعقد في فيينا في منتصف شهر يونيو. والمثير ليس تسليط الضوء على قسوة السجن كما أثارتها جهات عدة، وإنما تزايد ردود الفعل بعد فضيحة انتحار ثلاثة من المعتقلين لتؤكد على المعاملة الوحشية الداعية لضرورة إغلاقه نهائيا.
في الوقت الذي تركت في السابق تقارير تشير إلى المعاملات اللاانسانية للسجناء ومحاولة أكثر من 40 حالة انتحار فيه، غير أن الناطقين باسم وزارة الخارجية الأميركية كسيان ماكورماك و كولين جرافي مساعدة مسؤول الدبلوماسية العامة في وزارة الخارجية الأميركية، لا يريان في انتحار المعتقلين الثلاثة - فضيحة الحدث + فضيحة التبرير!
ـ إلا عملا دعائيا، وبأنهم «المنتحرون» الثلاثة لا يعيرون أهمية لحياتهم ولا لحياة الآخرين المحيطين بهم. وأضافت كولين بكل برودة أعصاب أن انتحار المعتقلين الثلاثة هو عمل دعائي لدعم قضية الجهاد ، مثلما ردد قائد معتقل غوانتانامو الأدميرال هاريس، أن انتحار الثلاثة حرب منسقة ضدنا.
وبتلك التصريحات الغريبة والعجيبة بامكاننا تسمية ذلك التصنيف الجديد للانتحار، بالانتحار الدعائي، وهو على النقيض عما ذكره مسؤول أميركي أخر والمحامون ومجموعات حقوق الإنسان ومنظمة هيومان رايتس ووتش في نيويورك،ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، ـ بأن حالة اليأس والإحباط والأمل الغائب في انتظار محاكمة عادلة أو وجود أفق واضح، خلق وافرز حالة نفسية محطمة، بحيث الحياة فيها أصبحت لا قيمة لها، ولكن الدبلوماسية الإنجليزية، على الأقل، على لسان متحدث باسم رئيس الوزراء البريطاني كانت أذكى بقولها، أن الانتحار واقعة مؤسفة،.
وبالمثل استنكروا واقع ظروف السجن سابقا والانتحار لاحقا، كمنظمة الصليب الأحمر، ومنظمة العفو الدولية، كما حث رئيس اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ السيناتور آرلين سبيكتر إدارة الرئيس الأميركي على الإسراع بمحاكمة المعتقلين أو إطلاقهم. وأكد مجددا بعد حدوث عملية الانتحار والكلام لسبيكتر، لدينا دليل الآن، يدفعنا للمطالبة بمحاكمة المعتقلين، وحال إدانتهم يجب أن تصدر أحكام ضدهم.
وسبق وان قضت المحكمة الأميركية الإدارية العليا أن اعتقال أشخاص لفترات طويلة بدون تهم أو محاكمة يعد انتهاكا لحقوق الإنسان. وقد أشار مانفريد نواك مقرر الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب أن على البلدان الأوروبية اغتنام فرصة اجتماع القمة بين زعماء الاتحاد الأوروبي والرئيس الأميركي في فيينا لمطالبته بإغلاق المعتقل.
وبما أن الانتحار وفق تصنيف الجيش الأميركي عمل قتالي فمعنى ذلك أننا أمام تصنيف غريب مماثل لا يقل غرابة عن تصنيف المعتقلين، كمقاتلين أعداء، وليسوا كأسرى حرب تنطبق عليهم نصوص اتفاقية جنيف!
إلى هنا والمسألة لا تكمن في فضيحة الانتحار والمعاملات السيئة الاستثنائية في معسكر رقم واحد، بالرغم من التفتيش المنتظم كل شهرين للصليب الأحمر، وإنما تتزامن وتترابط عملية الانتحار بسمعة سجن غوانتانامو السيئة، ذلك السجن المصمم بذريعة مكافحة الإرهاب.
في حملة التحقيق المثيرة التي فضحها النائب السويسري ديك مارتي فكشفت عن ظاهرة العولمة الجديدة للسجون العابرة للقارات ووسائل التعذيب والتعاون المعلن والسري بين بلدان أوروبية من وراء ظهر مؤسساتها المنتخبة، بل وبحدوث تواطؤ من 14 دولة ساهمت كل منها بدرجات مختلفة، سواء في النقل والتحقيق أو الاحتفاظ بسجناء والتعذيب على أرضها، والغريب والمخجل، أن تمارس دول كالسويد واحة الديمقراطية وألمانيا وايطاليا وبريطانيا ذلك العمل المشين والمشترك.
وقد أطلقت منظمة العفو الدولية على المتواطئين وبرنامجهم ـ حسب التقرير -، شركاء في الجرائم : الدور الأوروبي في البرنامج الاميركي لنقل السجناء! وإذا ما كانت أوروبا متواطئة والولايات المتحدة مذنبة مع سبق الإصرار والترصد بعد كشف تلك الرحلات السرية للاستخبارات الأميركية.
لقد كان مؤثرا إعلاميا وسياسيا داخل البيت الأوروبي التقرير الذي صدر عن اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان في أوروبا في السابع من يونيو 2006 بكشفها عن تورط 14 دولة في القارة بعمل متواطئ مع المخابرات المركزية الأميركية في قضية رحلات الطيران السرية الأميركية، وقد اعد التقرير عضو البرلمان السويسري ديك مارتي بعد تحقيقات استمرت سبعة اشهر. وقد اعتمد مارتي في تحقيقه على سجلات الطيران وصور الأقمار الاصطناعية ومدونات السجناء الذين يقولون انه تم اختطافهم.
ويدين تقرير مارتي الحكومات الأوروبية، التي كانت على دراية شبه تامة بتلك الرحلات السرية لنقل المعتقلين عبر أجواء ومطارات القارة، محاولا مارتي في تقارير أخرى إثبات كامل الحقيقة بمشاركة تلك السلطات الأوروبية بالقيام بأنشطة مخالفة للقانون مع المخابرات المركزية الأميركية.
وإذا ما كان التقرير والفضائح التي تمت في أوروبا تتناغم مع برنامج مشترك لمكافحة الإرهاب، يرتبط بشكل مباشر وغير مباشر، مع ما حدث ويحدث في غوانتانامو، فان على الشركاء الكبار في سجون العولمة والاختطاف والنقل المشترك، أن يتخلوا عن سلوك المجتمعات الهمجية، والتي وصموا بها سابقا وحشية حركة طالبان وحكمها وغيرهم، في زمن ننتظر من دعاة الحضارة والتقدم، أن يكرسوا أمام العالم قيم القانون وحقوق الإنسان، دون الحاجة للسيناريوهات البوليسية الحمقاء.
فما يراه العالم اليوم من انتهاكات وتجاوزات على حقوق الإنسان، تجعلنا ننزع بقناعاتنا التامة بوجود ازدواجية في حضارة الليبرالية الجديدة وقيم العولمة المشحون بالرياء والكذب. لقد سبق وان وصف بلير غوانتانامو بأنها، أمر خارج عن المعتاد ويتعين وضع نهاية له!، فهل ينتظر الرئيس بوش فضيحة جديدة اشد مما حدث ؟على الشركاء الكبار في سجون العولمة والاختطاف والنقل المشترك ان يتخلوا عن سلوك المجتمعات الهمجية.
كاتب بحريني