يبدو، كما تؤكد الوقائع بأن الافتراق الفتحاوي الحماسي لن يدوم بالرغم من التصريحات غير المسؤولة، واستعراض العضلات ومظاهر القوة في قطاع غزة بين فتح و حماس، وكل المخارج الحقيقية للأزمة تؤكد بأن سبل الخروج منها تكون بإعادة بناء التحالف بين فتح وحماس، وليس الاحتكام إلى البنادق وكعوب البنادق.
شكل الرد الفلسطيني الوحدوي على ما جرى في بيت حانون صفعة قوية في وجه حكومة ايهود أولمرت وسياسة الوزير عميرا بيرتس، التي رأت بأن الهجوم الإسرائيلي سيربك الوضع الفلسطيني الداخلي، وسيزيد من معاناة الفلسطينيين، ويدفع بهم للتنديد بحكومة الأستاذ إسماعيل هنية وفي السلطة بأن واحد.
فالرد الفلسطيني، جاء مدوياً من خلال تفاهم يجري طبخه النهائي بين حركتي حماس وفتح، كما أكدت المعلومات التي تشير إلى قرب إعلان التوصل إلى توافق عنوانه حكومة وحدة وطنية يترأسها الدكتور محمد شبير الشخصية الأكاديمية الفلسطينية المرموقة، ذات الحضور والاحترام في مختلف الأوساط الفلسطينية خصوصاً في قطاع غزة.
وعليه فإن تباشير الخير تلوح في الأفق، حيث تشير المعطيات اليومية في الداخل الفلسطيني، بأن حالة الافتراق الفتحاوي الحماسي لن تطول كثيراً، فالجهود المبذولة مازالت مستمرة لجسر الهوة بين الطرفين الأوسع نفوذاً في الساحة الفلسطينية، بالرغم من الأحاديث والتصريحات الإعلامية غير المسؤولة التي تصدر أحياناً كثيرة على لسان البعض، ونقول البعض، من أصحاب الرؤوس الحامية في مراكز القرار الفتحاوي الحمساوي على حد سواء.
المعطيات المشار إليها تزكيها الإرادة الوطنية المخلصة النابعة عن الحرص الشديد من قبل غالبية القيادات المسؤولة غير الموتورة في الطرفين، فالافتراق الفتحاوي الحماسي، ومخاطر الفتن الداخلية لن توفر أحداً في حال أتيح المجال أمام عبورها إلى الشارع الفلسطيني.
وعندها سنكون أمام أيام سوداء في التاريخ الوطني الفلسطيني، والكارثة حينئذ ستصيب الجميع دون استثناء. وانطلاقاً من الحيثيات إياها، فإن المخرج الحقيقي للأزمة الفلسطينية الطاحنة، يكون بالضرورة في إعلاء صوت العقل، والحكمة في إدارة الخلافات والتباينات وصولاً إلى التوافق على أساس ما تم انجازه خلال الفترة الماضية استناداً إلى وثيقة الأسرى المعدلة.
إن حركة نشطة تطل الآن، في مساع قد تكون مساعي اللحظات الأخيرة لوأد أزمات الفتن الداخلية الفلسطينية، وعلى السلطة الفلسطينية وحركتي حماس وفتح ضبط أوضاعها كل منها لجهة تسييد منطق العقل والمصلحة الوطنية الفلسطينية العليا.
كما في الاستمرار في تقديم سياسة براغماتية معقولة تأخذ بعين الاعتبار المصلحة العامة مع ضرورة تجنيب البيت الفلسطيني حالة توسيع التباينات الداخلية. وفي هذا السياق فإن الاشتراطات الدولية، وهي اشتراطات أميركية إسرائيلية أساساً يمكن أن تجد مخارجها فلسطينياً بالسياسة الحكيمة المستندة إلى منطق إبطال الذرائع دون تقديم الاستجابة لها مجاناً، وعلى طبق من ذهب.
إن الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، كل ومل، في تاريخه الوطني من مآس المشاكل الداخلية، وهو وحده من يدفع الثمن الباهظ جراء ما يجري الآن من أزمات متلاحقة في البيت الفلسطيني، بينما تنتعش حكومة إيهود أولمرت من خلال محاولات تسعيرها نار الإشكالات الداخلية الفلسطينية لبطال الخطوات المتقدمة على صعيد تشكيل حكومة الائتلاف الوطني الفلسطيني المنشودة، فضلاً عن استمرارها في حصار وتجويع الفلسطينيين.
وعليه فإن حصار التجويع الجائر ووقف الرواتب عن أجهزة وموظفي السلطة الوطنية الفلسطينية، وتجفيف مصادر الدعم الدولي للفلسطينيين، تتحمل مسؤوليته المباشرة حكومة إيهود أولمرت والمجتمع الدولي بأسره. فالموقف من الحكومة الفلسطينية شيء وتجويع وحصار الفلسطينيين شيء آخر.
ومن هذا المنطلق تتحمل إسرائيل مسؤولية أخلاقية كبرى باعتبارها اتخذت من الفلسطينيين كرهائن على مذبح شروطها غير العادلة والبعيدة عن التوازن، ووفرت لحكومة إيهود أولمرت التغطية السياسية التامة في الإسهام بحصار الفلسطينيين وتجميد الأموال الفلسطينية الموجودة بيد الاحتلال في البنوك الإسرائيلية، وتقارب الـ (500) مليون دولار، وتشكل الأموال المجباة عن البضائع الواردة للأراضي الفلسطينية.
لقد طارت رزمة الإغراء التي تحدث عنها البعض، وطارت معها الوعود المعسولة عندما تبين لها بأن شروط ومستتبعات «رزمة الإغراءات» لا يستطيع أحد من الفلسطينيين أن يتجرأ على ابتلاعها. فبقي الحصار كما هو دون توقف، دون أن نسمع صوتاً مدوياً ضد حصارات القتل التجويع الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني. من هنا على الفلسطينيين» أن يقلعوا أشواكهم بيدهم» من خلال العودة إلى توحيد البيت الفلسطيني، وتثمير أدوات وعوامل القوة المتوفرة بين أيديهم.
كاتب فلسطيني ـ دمشق