لقد سميت فترة الحكم العثماني للعرب بفترة السيطرة العثمانية والتخلف، وسميت فترة السيطرة الاستعمارية الأوروبية على العالم العربي منذ ثلاثينات القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين بفترة الاستعمار والاحتلال. وسميت فترة الاستقلال في النصف الثاني من القرن العشرين بفترة التحرر الوطني، فماذا يمكن أن نسمي الفترة الحالية التي نعيشها؟! وهل أنجزت فترة التحرر الوطني مهامها؟ من المفترض أن يكون عنوان المرحلة الراهنة مرحلة التنمية والديمقراطية ولكن!
لقد فشلت كل مشاريعنا: مشروع الدولة القومية العربية، ومشروع الدولة القطرية، وضاعت فلسطين، والسؤال المركب هو: كيف ولماذا، ومن المسؤول عن كل ذلك؟ من أقدر منا نحن العرب على تضييع الفرص التاريخية؟ لقد أعضنا نصف قرن من زمن الاستقلال بدون أن نحقق شيئاً، وقتلت مئات الآلاف من شعوبنا بأيدينا أكثر من أعدائنا على يد أنظمة الاستقلال والحروب الأهلية والإقليمية.
وأهدرت مليارات الدولارات كان يمكن استخدامها للتنمية ومواجهة الفقر والبطالة، وشلت كل إمكانيات الأمة لا بل تأخرت أكثر، واليوم لا نزال نعيش حالة من الصراع الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتخلف في الوقت الذي تتوفر لهذه الأمة إمكانيات التقدم، ومقومات القوة.
وتعجب أحياناً وتتساءل ما هذه القدرة الهائلة المتوفرة للعرب على صناعة التخلف والتأخر، ومنع التقدم؟! إن العالم العربي يتمتع بموقع استراتيجي فريد في العالم فهو وسط القارات، وعلى بحار ومنافذ بحرية عالمية، وتتوفر له موارد طبيعية كبيرة، ولديه قوة بشرية كبيرة الحجم تصل إلى ثلاثمئة مليون، وفيه متعلمون ومثقفون ما يكفي لبناء التقدم، فلماذا لا نتقدم؟ أو نتقدم خطوة ونتأخر خطوات؟! وإلى متى نبقى نثير مثل هذه الأسئلة.
إن الذي يحدث في بلداننا من تخلف لا ينتسب للعصر، ولا إلى بداية الألفية الثالثة، فما هي العلة، وهل عجز العقل العربي عن تشخيص المرض، أم أن المرض سرطانياً مستشرياً لا أمل من شفائنا منه؟! يبدو أننا فقدنا البوصلة وعليه نحن مدعوون الآن إلى التفكير جدياً فيما نحن فيه لأننا بدون ذلك نرتكب جريمة بحق أنفسنا وأجيالنا في المستقبل، والبداية هي بمعرفة الداء وتشخيصه.
مظاهر وملامح المرحلة الراهنة
ما دمنا نتحدث عن التأخر في حياتنا المعاصرة فمن المناسب والضروري التعرف على مظاهر وملامح المرحلة التي نعيشها.
1 ـ حروب أهلية في عدد من الدول العربية: العراق، لبنان، السودان، فلسطين والصومال.
2 ـ فكر عربي مضطرب، وأيديولوجيات متعارضة متصارعة عاجزة عن إيجاد أرضية مشتركة بينها.
3 ـ تعصب وتطرف وإرهاب لجماعات وقوى في مجتمعنا العربي أخذت أبعاداً طائفية وعرقية تعيدنا إلى عصور سالفة.
4 ـ تخلف اقتصادي واجتماعي، وهدر للإمكانية، وفساد إداري ومالي.
5 ـ قوى سياسية عربية عاجزة وغير ديمقراطية تطالب بالديمقراطية!
6 ـ طبقة وسطى مهزومة ومأزومة فشلت في قيادة مجتمعاتها نحو التنمية والديمقراطية منذ استقلال الدول العربية حتى الآن.
7 ـ مثقفون مدجنون غلب الذاتي لديهم على الموضوعي، منقسمون بين الهروب إلى الماضي أو إلى المستقبل قفزاً على الواقع.
8 ـ فشل التيارات الفكرية العربية في إنقاذ بلدانها من أزماتها سواء التيار القومي أو الديني أو الليبرالي.
9 ـ تراوح قضية فلسطين في مكانها منذ هزيمة العرب عام 1967م على الرغم من التضحيات والانتفاضات واتفاقيات السلام السراب.
10 ـ منظمات قومية وإقليمية لم تحقق إنجازات حقيقية لهذه الأمة، ولم تساهم فعلياً في حل المشكلات على المستوى القطري والقومي مثل الجامعة العربية وغيرها.
11 ـ خلل خطير في التركيبة السكانية في منطقة الخليج العربي حيث أصبح الوافدون أغلبية السكان في دولها.
12 ـ دول عربية متخمة، وثروة مهدورة، ودول عربية فقيرة أو تحت خط الفقر مثل: موريتانيا واليمن والسودان والصومال.
إذا اتفقنا على أن هذه هي أهم مشكلات أمتنا فلماذا لا نباشر في دراستها ومواجهتها والشروع في حلها؟ لكن من المناسب التعرف على كيفية الحل ومن سيتولى مسؤوليته؟
الخروج من المأزق ـ حلول مقترحة
لا شك أن الحالة التي عليها العرب اليوم حالة مأزومة، البداية لمخرج للأزمة هي بالإصلاح السياسي لكن كيف؟ هذه إشكالية كبيرة تختلف فيها قوى الإصلاح في دولنا فالبعض يرى إصلاح الفكر، والبعض الآخر يرى إصلاح الواقع أولاً، وآخرون يرون أن التثقيف الديمقراطي هو الطريق.
لابد من دراسة تجارب الأمم المتقدمة وكيف خرجت من مأزق التأخر والتخلف. لقد بدأت الثورة الفرنسية بالفكر وأطروحات الفلاسفة الذين قاموا بحركة تنوير حول قيم ومبادئ الحرية والمساواة والعدالة، وقام كل من محمد علي والي مصر في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وجمال عبدالناصر خلال الخمسينات والستينات من القرن العشرين بمحاولات إصلاح الواقع.
وهناك تجارب بدأت بإصلاح الفكر والواقع كتجربة اليابان لكن أي الطرق أفضل، وما هي التجارب التي حققت نجاحاً مستمراً؟ هذا الأمر هو الذي يحدد من أين نبدأ عندما نعرف ماذا نريد، ويبدو أن الفكر يلعب دوراً أساسياً في تقدم المجتمعات لكن يجب علينا أولاً إصلاح فكرنا إما بتجديده أو بفكر جديد ثم ننطلق منه إلى إصلاح الفكر أصعب وستأخذ زمناً طويلاً.
لقد ذكرنا مظاهر وملامح التأخر والتخلف في الواقع العربي المعاصر وتشخيص المرض نصف العلاج حيث يمكننا إصلاح الخلل بدراسة تلك المظاهر وعلاجها لكنها مشكلات أساسية تحتاج إلى إرادة قوية وإدارة سليمة، ورؤية واضحة أساسها الإصلاح السياسي في دولنا،.
وسبق لنا أن كتبنا في موضوع الإصلاح ولا ضرورة للتكرار، ونعتقد بأن المسؤولية تقع أولاً على النخبة المثقفة في عالمنا العربي فهي التي تنير الطريق للآخرين، وعليها مسؤولية نقد الواقع وتنوير الناس بالمشكلات والإخفاقات التي نمر بها وتشكيل حركة تنوير محددة الأهداف، والغايات وواضحة الوسائل.
إن مأساتنا هي في تراجع فكرنا وواقعنا والبدء من الصفر دائماً. وندور حول أنفسنا، ونهدم ما نبنيه، إن عملية الخروج من الأزمة الراهنة ليس سهلاً لكنه ممكن بوجود رؤية واضحة، والمثقفون العرب الحقيقيون يتحملون مسؤولية مضاعفة في هذه المرحلة التاريخية التي نمر بها.
كاتب كويتي