تضج المنطقة بحركة دبلوماسية غير اعتيادية، بكثافتها ومستوياتها؛ الظروف استثنائية والاستحقاقات كبيرة واللحظة تاريخية بخطورتها ومصيريتها. وبالتالي كان من الطبيعي والضروري أن ترتفع وتيرة اللقاءات والمشاورات والاتصالات بين العواصم العربية عموماً.
وبالتحديد المعنية منها. كلها استقبلت رسميين ووفوداً ومسؤولين، وكلها تبادلت الزيارات الرسمية وعلى عجل. بدا المشهد أشبه بحركة دائرية متواصلة، الساحات العراقية والفلسطينية واللبنانية.. والصومالية؛ كلها مرتفعة درجة حرارتها؛ إلى هذا الحد أو ذاك.
الوزيرة رايس تتجول في المنطقة بأجندة من بند واحد: الترويج لخطة الرئيس بوش الأخيرة؛ بخصوص العراق الشغل الشاغل لواشنطن الآن. الخطة تفوح منها وبقوة رائحة سياسة العصا. أجواء التوتر المتزايد، بمفرداته وعلاماته بين واشنطن وطهران؛ لا تخطئها العين.
يزيد من دقة وحراجة الظرف أن الملفات المحورية دخلت دائرة الفرصة الأخيرة للإنقاذ. بعدها تدخل في المجهول؛ الذي يخيم شبحه على المنطقة أكثر من أي وقت مضى. الوضع في العراق مفتوح على احتمالات نوعية حاسمة؛ الخطة الأمنية للعاصمة بغداد ودور القوات الأميركية الإضافية فيها، مع التدهور المعروف للأمور، معطوفاً على المناخات التي ولدتها الإعدامات؛ كله يجعل من الحالة العراقية أشبه ببرميل بارود ذي طاقة تفجيرية هائلة؛ وبجانبه عود ثقاب.
الوضع في الأراضي الفلسطينية، وصل هو الآخر إلى مشارف الحسم. يتراوح بين احتمال التوصل إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، على قاعدة توافق حول برنامج موحد للمرحلة الراهنة؛ وبين احتمال بلوغ نقطة الانسداد والطلاق. وكذا هي الحال في لبنان، كلام أو بالأحرى تحذير رئيس المجلس النيابي، في هذا الصدد؛ لا يحتمل التأويل، تحدث عن قنبلة موقوتة ينبغي تفكيكها قبل نهاية الشهر الجاري وإلا وقعت الكارثة.
على أرضية انفتاح هذه الأوضاع على المحظور، بالأحرى على المخيف، أطلقت العواصم العربية والإقليمية العنان لدبلوماسيتها. على الأقل لشراء الوقت؛ إذا كان من المتعذر إحباط الانفجارات وتعطيل صواعقها. فما هو على المحك كبير وجوهري. انكساره مثل انكسار الزجاج لا يحتمل إعادة اللحمة إليه، على الأقل في المدى المنظور، من هنا فإن التحرك المتعدد الاتجاهات والجوانب، الجاري الآن؛ لا يحتمل هو الآخر الفشل.
فهذا الأخير لن تقتصر ذيوله على الساحات المأزومة والملتهبة. ولا شك أن عواصم المنطقة تدرك هذا الأمر. وهو ما يفسر درجة الإلحاح على اللملمة وارتفاع صوت نواقيس الخطر، التي تقرع من كل صوب. وثمة منها ما يأخذ طابع النداء الأخير. والتحدي الراهن أن المطلوب ربما كان من طراز غير معهود ولا مألوف: مبادرة، مشروع، معالجة من خارج العقاقير المعروفة والمجربة.
الحالة بحاجة إلى استنباط حلول ولو مؤقتة تكون من عيار نزيف العراق وعقدة لبنان وأزمة الداخل الفلسطيني.إذا لم تكن الحلول متاحة فعلى الأقل استنباط كوابح تكفل منع هذه الحالات من السقوط النهائي في الهاوية. سقوط واحدة منها تشكل نكبة جديدة. فكيف بها كلها؟ فأخطر الأخطار أن تؤدي الحركة الدائرة الآن إلى أقل من هذا المنع.