القارة الجديدة تحت إدارة المحافظين الجدد تشغل العالم اليوم باستراتيجية جديدة. القارة الجديدة تقود القارة الأوروبية القديمة والعالم أجمع. والمحافظون الجدد يتعاملون بأيديولوجيتهم القومية الشوفينية مع كل قضايا العالم، انطلاقا من مصالح الولايات المتحدة الأميركية وحدها لتبقى «أميركا فوق الجميع». إذن، فالاستراتيجية الجديدة لن تخرج من هذا السياق. فما الجديد فيها؟
أبرز ما تقترحه هو أن ترسل أميركا إلى العراق 5 ,21 ألف جندي (17500 إلى بغداد و4000 إلى محافظة الأنبار المضطربة) إضافة إلى 123 ألفا موجودين هناك أصلا للحيلولة دون سقوط الحكومة العراقية ولتعجيل عملية تسليم القوات العراقية كل المحافظات وبسط سيطرتها عليها حتى نوفمبر 2007 وتقريب موعد رحيل القوات الأميركية من العراق.
ثم تأتي كل التفاصيل الأخرى التي تناولتها وسائل الإعلام باستفاضة. لكن دعونا نتساءل، كأي عاقل، هل هذه الإضافة كافية لتغيير الوضع في العراق بمثل هذه الجدية، خصوصا وأن بريطانيا قد قررت سحب ثلاثة آلاف من جنودها حتى شهر مايو المقبل والإبقاء في العراق على 5,4 آلاف جندي فقط؟
في مقابلة أجرتها Le Temps مع الخبير العسكري ليودفيك مونير، من مؤسسة Revue militaire Suisse يوم الجمعة الماضي يورد هذا الخبير أنه حسب تقديرات تقريبية تعد تشكيلات المقاومة المسلحة ما بين 20 إلى 30 ألف مقاتل. لكن هؤلاء ليسوا عسكريين تقليديين. كثير منهم يتنقلون بين معسكر وآخر. اليوم أصدقاء لهذا المعسكر وخصوم لذاك، وغدا العكس. أما القوات العراقية فتعد الآن قرابة 320 ألف عنصر. لكن مشكلتها في ضمان الولاء أيضا.
وتقول التجارب العالمية إنه أثناء الانتفاضات الجماهيرية التقليدية كل 20 جندي مجهز يكفون لمواجهة ألف من السكان. في العراق ـ يقول الخبير ـ يحتاج الأمر إلى 500 ألف جندي. وهذا هو بالضبط ما تشكله القوات الأميركية والعراقية وقوات التحالف مجتمعة. «لكن مشكلة هذه القوات أنها غير متجانسة. فهي تعاني من ثغرات: مادية وتعريفية لدى العراقيين، ثقافية ومؤسسية لدى الأميركيين».
الأميركيون والحكومة العراقية والخبراء يعرفون الوضع جيدا في الجانب الأميركي والعراقي الرسمي. لكن المشكلة هي أن لا أحد يعرف على وجه الدقة تعداد وعدة الطرف الآخر، وما الذي يسعى الخصم إلى تحقيقه.
وينتقد الخبير السويسري الخطط الأميركية السابقة بأن «غالبية حسابات الجنرالات الأميركيين تقوم على أساس التفكير الأولي. ما يملي تفكيرهم العسكري هو إرث الحرب الباردة ومواجهات الأطراف المتماثلة. أما هنا فيجب اتخاذ استراتيجية جديدة تماما وتقوم على خفض محسوس للقوات في منطقة النزاع وتوجيه قوى من نوع آخر، قوامها العملاء القادرين على القيام بعمليات خاصة».
إذا أخذنا بالتشخيص أعلاه فسيظهر وكأن إضافة 5, 21 ألف جندي أميركي ليست إلا من ضروب العبث. وتصور الاستراتيجية الجديدة الولايات المتحدة الأميركية كالفيل الذي يحاول الخروج من خزق إبرة، أو أنه يرفرف بأذنيه استعدادا للتحليق فتخذلانه بالطبع.
خبراء آخرون يتساءلون لماذا لم يتبن الرئيس بوش، ولو مع بعض التحوير، الاستراتيجية التي كانت القيادة العسكرية الأميركية والحكومة العراقية ومجموعة دراسة الحالة في العراق قد اقترحتها. وقد دعت هذه الاستراتيجية إلى تنشيط الإعداد القتالي للجيش العراقي ثم نقل مسؤوليات مكافحة المتمردين إليه تدريجيا،.
والعمل على تشجيع استراتيجية توافقية بين الأطراف العراقية، وأن يتقلص الوجود العسكري الأميركي في العراق تدريجيا خلال العام الحالي 2007، على أن يتم الاحتفاظ بما يكفي من القوى للحيلولة دون سقوط الحكومة واستمرار توجيه الضربات إلى القاعدة ومنع أي تدخل من قبل جيران العراق؟
الحقيقة أن بوش لا يطرح في استراتيجيته الجديدة جديدا. إنه ببساطة يعود للاستراتيجية التي طرحها بعد أحداث 11سبتمبر 2001 والحرب على أفغانستان بأن الحرب «ضد الإرهاب العالمي» ستمتد لسنوات طوال. ولذلك فإن قراره الأخير بإرسال قوات إضافية هي إشارة رمزية بأن قرار الحرب الطويلة مستمر في الواقع، ويأتي متزامنا ليس مع التصعيد في الصومال فقط، وإنما بالتحضير الجدي لبدء أعمال عسكرية ضد إيران. وأنه لن يسلم القيادة لخلفه، ديمقراطيا كان أم جمهوريا، إلا وقد قطع عليه خط الرجعة عن هذا القرار.
ولا شك أن الرئيس لا يعني ما قاله في خطابه من أن المعيار الرئيسي لتحديد مدى نجاح الاستراتيجية هو «الاقتراب خطوة جديدة من النصر ولضمان المستقبل الديمقراطي السلمي لهذه البلاد ـ أي العراق ـ ولمجمل منطقة الشرق الأوسط». فالعالم يعرف جيدا أن أية استراتيجية لمعالجة قضايا السلم والحرب في منطقة الشرق الأوسط لا يمكن أن تتجاهل الحل العادل للقضية الفلسطينية، بينما لم تحمل الاستراتيجية الجديدة أي جديد للفلسطينيين والعرب والمسلمين على هذا الصعيد.
في إطار «الاستراتيجية الجديدة» أصدر الرئيس بوش تعليماته لتكثيف النشاط الاستطلاعي في المنطقة وتوجيه حاملات طائرات جديدة إلى الخليج ونشر قواعد للصواريخ من طراز Patriot PAC-3. كل ذلك يعني بوضوح أنها تستهدف إيران. وكذلك الحال بالنسبة لاستبدال قائد الأركان وتعيين الأدميرال والطيار العسكري البحري فيلون يشهد على الأهمية التي توليها الولايات المتحدة الأميركية لإيران في استراتيجيتها العسكرية الجديدة.
وطبيعي أن الرئيس سيواجه صعوبات جمة مع الكونغرس الأميركي في توفير التمويل اللازم لخطط التوسع العسكري في منطقة الخليج والقرن الإفريقي. وهو في طريقه لأن يطلب من الكونغرس تخصيص قرابة 6,5 مليارات دولار لتمويل زيادة القوات و 2 ,1 مليار دولار لبرامج الإعمار والتوظيف في العراق.
وفي نفس الوقت كانت وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس في طريقها إلى الخليج لتترجم خطاب الرئيس للقادة الخليجيين بأن الخاسر من فشل أميركا في العراق هم الخليجيون، وأن إيران هي العدو المشترك، ترجمة واضحة تقول إن عليكم أن تدفعوا تكاليف كل ما تقتضيه هذه الاستراتيجية، إن اقتصاد بلدانكم ببناه الحالية وتوجهاته المستقبلية أعجز من أن يستوعب عائدات النفط المتراكمة منذ سنوات. ومن شيم العرب أن يشعلوا نيرانا يهتدي بها الضيف القادم. إذن فلتشعل نيران الحرب في المنطقة لتبعث الحرارة في مجمعات الصناعة العسكرية الأميركية.
كاتب بحريني
ajnoaimi@gmail.com
