نشعر أحياناً أننا نحمل الجيل الجديد فوق ما يحتملون، ونثقل عليهم بمسؤوليات تربوية وتعليمية وسلوكية لا ينبغي أن يتحملوها وحدهم لأننا نحن الكبار من نهدم فيهم بشكل غير مباشر تلك القيم التربوية وننحرف أيضاً بسلوكياتهم تلك.

مناسبة حديثنا هذا ما نشرته إحدى الصحف المحلية حول استياء عدد من المعلمين والمعلمات في منطقة العين التعليمية من القصة التي تم تضمينها كسؤال أساسي للصف العاشر في امتحان مادة اللغة العربية. القصة تحكي عن رجل تجاوز الستين من العمر يدخن الشيشة في منزله ويشاهد الأغاني التي يتم عرضها في الفضائيات ويقارن بين الفتيات الكاسيات العاريات وزوجته، ممجداً الصفات الجسدية لتلك الفتيات ومتأسياً على حالة زوجته العجوز التي أفقدها تقدم العمر ملامح الأنوثة!!

استياء المعلمين انتقل إلينا لنطرح تساؤلاً مشروعاً على من وضعوا هذه القصة في هذا السؤال، إذ لا نعرف هدفاً تحمله أو قيمة تدعو إليها خاصة لطلاب الصف العاشر الذين لم تتجاوز أعمارهم الستة عشر عاماً.

وكل ما وجدناه في هذه القصة هو الإثارة لتجريب «الشيشة» وحالة الاسترخاء والتأمل التي تفرضها، بالإضافة إلى دعوة صريحة لتأمل الأغاني التي يتم عرضها في الفضائيات، ومن ثم المقارنة بين الفتيات الكاسيات العاريات والزوجة أو الأم أو الأخت أو ابنة الجيران التي تخفي جمالها حشمة لبيئة تندرج منها وعادات وتقاليد تلزمها.

هذا التمجيد للعري والتقليل من شأن المرأة التي تتخطى حاجز الستين عاماً، حمل إيحاءات جنسية للطلاب بصورة تتنافى مع ما نربيهم عليه وما نسعى لنجعلهم في منأى عنه، لاسيما تلك السموم التي تبثها الفضائيات المليئة بالغث والسمين. وربما ساهم في تكوين صورة في أذهان الطلاب تجعلهم ينبذون المرأة كلما تقدم بها العمر، وكأن مجتمعنا تنقصه هذه التغذية في وقت أصبح الطلاق والخلع والتعدد فيه كالهم على القلب الذي دمر أسراً كثيرة وراح ضحيته أبناء وبنات لا ذنب لهم.

تقول القصة الواردة في السؤال: (أدار الرجل محطة تلفزيونية فإذا بأغنية تصدح بإيقاعها السريع الراقص وعشرات من الصبايا يتلوين بأجسادهن الرشيقة وكأنما هن فراشات ملونة أو حوريات من البحر يتمايلن على أنغام أغنية تمجد الصبا. نظر الرجل بأسى، قال في نفسه: هكذا فلتكن النساء أما امرأتي هذه.. أتسمى امرأة؟ إنها ليست امرأة، ولا أي شيء على الإطلاق إنها.... لا أدري... ربما كانت أماً.. أماً فقط لكنها ليست امرأة بالتأكيد).

وزاد الأمر لوعة سؤال على القصة يطلب إكمال الفراغ بتعداد الملامح الجسدية للزوجة!!

العاقل منا يخجل ان يتطرق لقصص من هذا النوع أمام إخوته وأبنائه، وامتحاناتنا في المدارس لا تتردد في ان تجعل ذلك سؤالاً رئيساً وكأنه يجعل من طلاب المدارس عباقرة.

هذا ما وصلنا إليه في مستوى التعليم في الدولة. لا نعلم أي مسؤولية يتحملها واضعو هذه الأسئلة، ولا نعلم كيف يفكرون وبم يبررون هذه المبادرات الهدامة التي لا تحمل في طيها قيمة ولا هدفاً سامياً سوى توسيع أعين أبنائنا أكثر مما هي عليه لترى وتجرب ما فيه دمارها، وكأننا نحن في مجتمعات عذرية ولسنا كذلك. إذا كنا نجهد أنفسنا كأولياء أمور في تربية أبنائنا وتوجيههم بعيداً عن تأثير الفضائيات الهابطة، فلماذا تعيدهم المدارس إليها؟

سؤال نأمل لو نجد إجابة عنه، لكن للأسف الشديد كل الإجابات التي ستأتينا ليست أكثر من مبررات يدافع بها المسؤولون عن أنفسهم، ويلمعون لها إعلامياً دون ان تكون لديهم القدرة على ضبط الأمور ولو في ورقة امتحان!!

maysaghadeer@yahoo.com