قام الرئيس بوش يوم الأربعاء الماضي بإعلان إستراتيجية جديدة للتعامل مع الأوضاع السياسية والأمنية المتردية في العراق، وذلك من أجل تحسين فرص نجاح أميركا في تحقيق النصر في حربها الدائرة هناك منذ أربع سنوات تقريباً. ولقد جاءت الخطة الجديدة في ضوء تزايد الضغوط على الإدارة الأميركية للاعتراف بفشل الإستراتيجية السابقة، ومن أجل إجبارها على تغيير طريقة عملها في العراق، وتعديل أسلوب تعاملها مع الحكومة العراقية.

ومن العوامل التي اضطرت الرئيس الأميركي إلى الاعتراف بالفشل ودفعته بالتالي لطرح خطة عمل جديدة: تزايد اهتمام الرأي العام الأميركي بمجريات الأمور في العراق وفي واشنطن، قيام الكونغرس بتشكيل لجنة لدراسة الوضع العراقي وتقديم تقرير يدين الإستراتيجية القديمة .

ويقر بفشلها، تجرؤ العديد من كبار القادة العسكريين والسياسيين المتقاعدين على توجيه النقد لسياسة وممارسات وزير الدفاع السابق، وتصاعد حدة العنف والخسائر الأميركية في العراق. وعلى الرغم من الادعاء بأن الخطة المعلنة تحمل الكثير من الجديد، إلا أنها في الواقع لم تحمل جديداً لم يكن متوقعاً من قبل، فيما عدا ما جاء بشأن سوريا وإيران.

جاء في خطاب الرئيس بوش القول ان الفشل في العراق هو كارثة بالنسبة لأميركا، وذلك لأنه سيترتب عليه نتائج كبيرة وخطرة من شأنها تنامي التطرف الإسلامي في المنطقة، وحصول المتطرفين على أمكنة آمنة للتدريب، وشن حملاتهم المعادية على أميركا ومصالحها في داخل البلاد وخارجها.

كما لجأ الرئيس بوش إلى تحذير الأميركيين من أن الفشل سوف يمكن أعداء أميركا من الحصول على ريع النفط لتمويل عملياتهم الإرهابية، والعمل على إسقاط الحكومات المعتدلة، ويشجع إيران على السير في برنامجها النووي والحصول على أسلحة نووية.

وفي ضوء ذلك قال الرئيس بوش «من أجل حماية أميركا يجب علينا أن ننتصر في العراق». ومن أجل كسب تأييد الأميركيين، قال بوش: «إن التحدي الأكبر على طول المنطقة ليس عسكرياً فحسب، بل هو التحدي الإيديولوجي الحاسم في هذا العصر».

أما في ما يتعلق بأهم محتويات الإستراتيجية الجديدة، فيمكن تلخيصها في النقاط التالية:

* زيادة أعداد الجيش الأميركي المتواجدة في العراق بمقدار 21500 جندي ليصبح العدد الإجمالي حوالي 154000 جندي، حوالي ثلاثة أرباع الزيادة ترسل إلى بغداد من أجل استعادة الأمن في العاصمة العراقية، ويرسل الباقي إلى محافظة الأنبار التي أصبحت أهم معاقل قوى المقاومة العراقية.

* تسريع عملية تدريب الجنود العراقيين وزيادة أعدادهم ليكون بإمكانهم تحمل مسؤوليات الأمن وحماية الأراضي العراقية ومحاربة الإرهاب.

* القيام باعتراض إمدادات الدعم التي تصل إلى المقاومة العراقية من سوريا وإيران، والبحث عن الشبكات التي تقوم بتزويد أعداء أميركا بالسلاح المتطور والتدريب العسكري وتدميرها.

* التعاون مع أطراف أخرى لمنع إيران من الحصول على أسلحة نووية، والحيلولة دون سيطرتها على المنطقة المجاورة.

* الضغط على الحكومة العراقية لتطبيق خطط أمنية وسياسية واقتصادية وتشريعية محددة، منها:

1ـ تسلم مهام الحفاظ على الأمن بالكامل، وفي كل المحافظات العراقية، وذلك بحلول شهر نوفمبر المقبل.

2ـ سن قانون جديد ينص على تقاسم عائدات النفط بين جميع الفئات الاثنية والطائفية في العراق.

3ـ إنفاق 10 مليارات دولار من أموال العراق الخاصة على مشاريع إعادة الاعمار، وذلك بهدف خلق وظائف جديدة للعاطلين عن العمل.

4ـ العمل على تعديل الدستور العراقي.

5ـ السماح للقوات الأميركية والعراقية بدخول أية منطقة تعتقد القوات العسكرية أنها مسؤولة عن العنف الطائفي.

أما فيما يتعلق بسوريا وإيران، فإن الرئيس كان واضحاً فيما يتعلق بقضية إجراء حوار مع كل منهما، وغامضاً فيما يتعلق بقضية مواقفهما تجاه العراق والمنطقة المجاورة. إذ بينما رفض الرئيس إجراء حوار مع سوريا أو إيران، وذلك كما اقترح تقرير بيكر- هاملتون والعديد من رجال الكونغرس، قام بوش باتهام كل من الدولتين بالمساعدة في تدريب المقاتلين والسماح للإرهابيين بالدخول من أراضيهما إلى العراق.

إن حديث الرئيس عن التعاون مع أطراف أخرى لمنع إيران من الحصول على أسلحة نووية قد يعني أن أميركا تنوي، وبالتعاون مع إسرائيل، ضرب المنشآت النووية الإيرانية، وتدميرها كما فعلت إسرائيل في عام 1981 بالنسبة لبرنامج العراق النووي.

كما أن الحديث عن شبكات الدعم للإرهابيين والأعداء قد يعني ان بوش ينوي أيضاً الاعتداء على سوريا. وتأتي هذه الخطة من أجل تقليص قدرات إيران على التدخل في الشؤون العراقية والهيمنة على منطقة الخليج الغنية بمصادرها النفطية، وإضعاف قدرات سوريا العسكرية والاقتصادية على التدخل في الشؤون اللبنانية، وإمداد حزب الله بالدعم العسكري واللوجستي الذي يمكنه من مواصلة المقاومة...

وهذه تطورات مهمة من شأنها، في حالة تنفيذها، تقويض قدرات سوريا وإيران على إدارة الحرب والسلام مع إسرائيل وأميركا لعقود قادمة. وبالرغم من أن البيت الأبيض نفى أنه يخطط للاعتداء على إيران وسوريا، إلا أن المؤشرات تشير في الاتجاه المعاكس. وما علينا إلا أن نتذكر تصريح بوش قبل أيام من عزل وزير دفاعه السابق، حين أكد بقاء رامسفيلد في منصبه حتى آخر ولاية بوش، وحين اعترف بكذبته أمام المراسلين في البيت الأبيض.

إن فشل بوش في إدارة الحرب على العراق على مدى السنوات الأربع الماضية، يعني أن الفرصة الحالية هي آخر فرصه له لإثبات جدارته على قيادة أميركا وإنقاذ جيوشها من الهزيمة، مع الحفاظ على هيبة ومصداقية بلاده كدولة عظمى.

ولما كنا نعتقد بأن بوش لن يدخل التاريخ كقائد عظيم، إلا إذا أعيدت مقاييس العظمة إلى ما قبل العصور الحديثة حين كانت تقاس بمقدار الدمار الذي يلحقه القائد المعني بالغير، وعدد الجرائم التي يرتكبها بحق الإنسانية، فإن أقصى ما يمكن أن يأمل به بوش هو دخول التاريخ كرئيس غير فاشل. ومهما كانت النتائج، فإن من المؤكد أن يخرج جورج بوش من البيت الأبيض وقد تسبب في كسب كراهية غالبية شعوب العالم لسياسات بلاده، وجعل أميركا أكثر الدول تهديداً للأمن العالمي والتعايش السلمي بين الشعوب في العالم.

أكاديمي أميركي من أصل عربي

Professorrabie@yahoo.com