كشف الرئيس الفلسطيني انه أبلغ الوزيرة رايس رفضه لفكرة «الدولة المؤقتة والحلول المؤقتة». أعلن ذلك بعد اجتماعه بها؛ وخلال مؤتمر صحافي مشترك معها، وهي فكرة أميركية ـ إسرائيلية سبق وطرحت، من جملة ما طرح من مناورات ومحاولات تملّص؛ للهروب من استحقاق الدولة الفلسطينية المستقلة.
وبذلك ثبت أمران: أن الوزيرة فعلاً كانت خالية الوفاض من أي جديد، وثانياً أنها عادت إلى الدفاتر القديمة واستخرجت منها المشروع التعيس هذا والذي سبق وتمّ دفنه فور ولادته، لأنه مخلوق لا يمتلك مقومات الحياة. هو بدعة لم يسمع بها أحد ولا عرفها تاريخ نشوء الدول.
ومع ذلك حاولت رايس الترويج لها وبيعها للفلسطينيين؛ لتسجيل ما يمكن لواشنطن إدراجه في خانة «الاختراق»؛ وبالتالي توظيفه في حملة إدارة بوش لتسويق مشروعها العراقي الجديد، في المنطقة.
عودة الوزيرة إلى هذا المشروع المحكوم بالإعدام يشي بأكثر من أمر، أول ما يكشف عنه أن الإدارة غير جادة ـ كالعادة ـ في ترجمة فكرة الدولتين. على الأقل حتى الآن. خطابها لم يفارق العموميات التي تعني كل شيء ولا تعني شيئاً، في الحصيلة. وقد كررته الوزيرة في زيارتها إلى رام الله:
«ان الولايات المتحدة ملتزمة بالجهود الرامية إلى إيجاد السبل لتسريع تطبيق خريطة الطريق.. ومصممّة على إيجاد حل»! كلام فيه كثير، إن لم يكن كله، من الألغاز. فما هي هذه «الجهود» التي تتحدث عنها؟ وهي مطلوبة مِن مَن؟ كذلك لم تقل لنا شيئا عن «السبل» المطلوب إيجادها لتسريع تطبيق خريطة الطريق؟ فهل هذه الخريطة تحركت أصلاً لتحتاج إلى تسريع؟
وأخيراً تؤكد رايس أن واشنطن «مصممّة» على الحلّ! لكن لم تقل متى وكيف يتحقق هذا التصميم؟ فهي اليوم في زيارتها الثامنة للأراضي المحتلة ولا تزال في مرحلة الكلام عن وجود النية للتنفيذ ولإقامة الدولة. وبعد طول المخاض تبيّنَ أن الدولة العتيدة الموعودة ليست أكثر من مؤقتة. يعني غير نهائية. ويعني استطراداً انها عرضة للشطب.
الأمر الثاني الذي يكشف عنه هذا العرض هو أن واشنطن بوش ما كانت، في غالب الظن، تقوى على الرجوع إلى مثل هذا الطرح غير المعقول ولا المسموع به لولا كانت الساحة الفلسطينية، بغير ما هي فيه اليوم.
وكأنها بذلك أرادت أن تقول بأن الوضع الفلسطيني المشطور ليس له في حساباتنا أكثر من هذا المخلوق المنقوص، لاسيما وأن حالة الانشطار بلغت نقطة غير مسبوقة في خطورتها عشية وصول الوزيرة إلى الأراضي المحتلة. وما أن بدأ يتردد كلام متفائل وإشارات إيجابية حول مستجدات من شأنها أن تعزز التقارب وتساعد في إنضاج تأليف حكومة وحدة وطنية؛ حتى تلاها أجواء تصعيد تنذر بنسف مثل هذا الاحتمال إذا لم يتم تدارك التوتر المستجد.
ما طرحته رايس على الفلسطينيين لا يتعدى محاولة استدرار الرفض منهم؛ فقط لتوجيه الإصبع نحوهم واتهامهم بالسلبية، لكن بقدر ما هو بدعة لا تنطوي سوى على الاستهتار والاستخفاف بالحقوق الفلسطينية؛ بقدر ما أن الحالة الفلسطينية المعروفة ساهمت في ابتداع هذه البدعة.