لا شك أن التجربة الديمقراطية الفلسطينية الناجحة تظل تستفز المشاعر الإسرائيلية المعادية بشكل خاص والأميركية والأوروبية بشكل أقل حدة.

منذ إنشائها دخلت السلطة الفلسطينية في مواجهة مباشرة مع إسرائيل ومن يدعمها، وازدادت حدة ومجاهرة العداء لها بعد تبوؤ حركة حماس الإسلامية سدة الحكم. لإجبار حركة حماس على التخلي عن ثوابتها الأساسية وُضعت السلطة الفلسطينية ومن خلفها الشعب تحت حصار اقتصادي ومالي وسياسي خانق، أدى إلى خروج أصوات من داخل السلطة الفلسطينية وخارجها تعارض منهجية حركة حماس السياسية المتسمة باللا واقعية! في معالجة الأمور المستجدة؛ ذلك لم يزد حركة حماس إلا تصلبا.

في حقيقة الأمر فإن المسؤول الأول والأخير عن تردّي الأوضاع الفلسطينية هو الاحتلال الإسرائيلي وتبعاته وتغاضي بل رضا الإدارة الأميركية اللا محدود عن مجمل جرائم الاحتلال الإسرائيلي. مع الزمن والمضي في تقديم التنازلات وصل دور الأطراف السياسية الفلسطينية الفاعلة إلى مسايرة رغبات العدو الإسرائيلي والإدارة الأميركية في إذكاء نار فتنة داخلية مصطنعة، من حيث تدري تلك الأطراف أو لا تدري!.

أصبح دور رئيس حكومة السلطة الوطنية الفلسطينية الرمزية المقزّمة محمود عباس (أبو مازن) مشابهاً لدور رئيس حكومة بغداد نوري المالكي أو رئيس حكومة كابول حامد قرضاي أو رئيس حكومة بيروت فؤاد السنيورة أو حتى رئيس الحكومة الانتقالية (المدعوم إثيوبياً!) عبدالله يوسف في مقديشو، مع مراعاة الفروق الميدانية البسيطة المحيطة. كل ما ذكر أعلاه من أنظمة حكم جديدة هي نماذج للديمقراطية الأميركية التي يجري العمل على نشرها فيما بات يُعرف بالشرق الأوسط الكبير، حكومات «شركاتية» تقود شعوباً مغلوبة على أمرها قابلة للدخول في حروب أهلية مدمِّرة.

منذ عقود من الزمن عملت إسرائيل بشق وجهد كبيرين مضنيين للوصول بالفلسطينيين إلى هذه الحالة من الفوضى والشرذمة بحيث يبدو فيها أمر العودة إلى استعمال العقل من جانب كافة الأطراف السياسية الفلسطينية المتنافسة على السلطة أمراً صعب التلبية.

في أواخر عقد الثمانينات من القرن العشرين ظهرت حركة حماس كمنافس صلب وشرس لمنظمة التحرير الفلسطينية في تمثيل الشعب الفلسطيني. بسرعة قياسية اكتسحت حركة حماس الشارع الإسلامي والعربي والفلسطيني وأصبحت في كثير من المواقع والأزمنة تهدد بشكل حقيقي أحادية تمثيل الفلسطينيين المتمثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية والتي تعتبر منظمة فتح العمود الفقري لها.

حركة فتح معروفة بطبيعتها التي تضم كافة ألوان الطيف السياسي والاجتماعي والعقائدي الفلسطيني مقابل الطبيعة الأيديولوجية الإسلامية لحركة حماس. خلال الانتفاضة الأولى والثانية سطع نجم حركة حماس بسبب مساهمتها غير العادية في تطوير أساليب ميدانية جريئة وشرسة في الرد على ممارسات إسرائيل العدوانية الصرفة.

أكثر من مرة أعلنت إسرائيل الحرب بشكل حصري أو رئيسي على حركة حماس مما جعل الأخيرة تحصل على رصيد كاسح في الأوساط الفلسطينية والعربية والإسلامية. تُوّج حصاد حركة حماس الميداني لسنين طويلة بفوزها في بداية عام 2006 وحصولها على أغلبية الحقائب في الحكومة والبرلمان الفلسطينيين في انتخابات حرة ونزيهة وشفافة وتحت إشراف دولي.

في وجه إسرائيل المدعومة بقوة أميركيا يواجه الفلسطينيون خاصةً والعرب والمسلمون عامةً الفشل المتلاحق عسكرياً في الميدان، وسياسياً باتجاه تحقيق أي تقدم باتجاه حلحلة الوضع المتأزم. وفي ديمقراطية عتيدة يُسمح للآراء المتباينة بالظهور والتداول سرعان ما تُقبل الجهات فيها على توجيه أصابع الاتهام بالفشل إلى جهة أخرى مناوئة، فشلٌ تعتقد أنه لم يكن ليحدث لو كانت تلك الجهة تأخذ مكانها المناسب في موقع صنع القرار!.

يتناسى اللائمون في الفشل أو التقصير هذا أن معظم أوراق القضية هي بيد إسرائيل وحليفتها أميركا، والأخيرة لا تبخل في إضافة أوراق إضافية جديدة تأتي بها لإسرائيل الآن من التوسع المطرد في مغامراتها العسكرية الجديدة في المنطقة.

وبدلاً من أن تؤدي حالة التراجع العامة في وجه قوى الاحتلال والغزو الجديدة إلى تماسك الجبهة الفلسطينية الداخلية يذهب الفرقاء كل إلى متراسه ويبدأ بشحذ سلاحه وتحريض أتباعه استعداداً ليوم بدء الصراع المكشوف والحرب الأهلية.

الغريب بل المستهجن في الأمر أن كل طرف سياسي فلسطيني في الأزمة يعتقد بل يؤمن الآن بضرورة اللجوء إلى الحسم العسكري العنيف ضد الطرف الآخر المتمثل بأخيه وابن عمه وجاره وصهره وابن حارته وقريته ومدينته ومخيمه؛ في ذلك تضمن إسرائيل أن تكون الخسارة العامة ماحقة وفلسطينية مئة بالمئة!.

يختلف الشأن الفلسطيني عن شؤون الشعوب العربية الأخرى التي جربت في الماضي وتجرب في الحاضر مرارة علقم الحرب الأهلية. في لبنان قامت الحرب الأهلية استغلالاً لاختلافات طائفية ودينية ومذهبية وحزبية سياسية، وفي العراق تستعر الحرب الأهلية على أسس مذهبية وعرقية .

وفي السودان حتى وقت قريب على أسس عرقية، ودينية ربما. أقرب الحالات شبهاً بالوضع الفلسطيني من ناحية الحروب الأهلية العربية هما الوضعان الجزائري والصومالي والمبنيان بشكل أساسي على الاختلافات السياسية والصراع على كراسي الحكم والسلطة.

يُضاف إلى حالة الوضع الفلسطيني خاصية فريدة من نوعها ألا وهي عدم توفر ميدان قتالي كبير نسبياً للشروع بحرب أهلية في الأراضي المحتلة، خاصة مع اختراق جدران الفصل العنصرية الإسرائيلية القرى والبلدات والمدن والمخيمات الفلسطينية بشكل لا يبقي مزيداً من الساحات للقيام بعمليات الكر والفر المتوقعة!. ذلك ما يسهل على إسرائيل إيقاع أقصى الخسائر الممكنة بأيد فلسطينية وبأقل الجهود ويجهز على ما تبقّى من الوجود الفلسطيني الفاعل في الأراضي المحتلة!!.

السؤال هو كيف لأطراف الحرب الأهلية الفلسطينية المحتملة! أن يتجرأوا على توجيه قبضات أيديهم وعصيهم ومُداهم الحادة وبنادقهم إلى صدور وعيون وقلوب وظهور بعضهم البعض خلف قضبان المعتقلات أو بالقرب من الجدران العنصرية الإسرائيلية العازلة وعلى مرأى من نقاط مراقبة جنود الاحتلال من على تلك الجدران؟!. لكن كما يبدو فإن في الأمر ما هو أكثر تعقيداً وصعوبة من النظر إليه بتلك البساطة أو السذاجة!.

في لقاء صحفي مع عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية طالب عقلاء الشعب الفلسطيني أن يتحركوا كي لا تذهب الأمور إلى ما هو أسوأ من حرب أهلية تقليدية معهودة، بسبب تواجد الاحتلال الإسرائيلي في كل مكان هناك. غاب عن بال عمرو موسى أن الأوضاع بمجملها في المناطق المحتلة وخاصة الأمنية منها هي بيد سلطة الاحتلال الإسرائيلي وأدواته الأمنية وأن أمر الشروع بحرب أهلية بات قراراً «أميركي ـ إسرائيلي» شبه مطلق.

قبل حوالي 40 عاماً من الآن احتلت إسرائيل الضفة الغربية، وتخترق أجهزتها الأمنية كل صغيرة وكبيرة في المنطقة. من السهولة بمكان على جهاز الأمن الإسرائيلي، مشؤوم الذكر وواسع المكر، لعب دور الأطراف المتنازعة أو المتنافسة!؛ على أفراده فقط أن يختاروا الزمان والمكان والطريقة والوسيلة لارتكاب أعمال عنف باسم طرف ضد الطرف الآخر.

باستطاعة الفلسطينيين الاستفادة من تجارب الشعوب الأخرى لتجنب حرب أهلية بالرغم من أن الطرف الإسرائيلي قد حسب حساب تلك التجارب وأدخلها ضمن أجندته وطرقه وأساليبه وخياراته الميدانية. تكمن الطريقة في إنشاء حكومة وحدة وطنية يحرص أعضاؤها على تفضيل مصلحة القضية والوطن والشعب على المصلحة الشخصية ومصلحة الفئة والحزب والعائلة، كما الحال في مختلف المناطق العربية التي شهدت وتشهد أو على وشك أن تشهد حروباً أهلية.

على كل طرف من الأطراف المتنازعة أن يعي «طول لحافه»، و«لحاف» غيره والحال هذه في آن معاً. على الأطراف المتنازعة أن تبتعد نهائياً عن أسلوب المزايدات و«المهاترات» الديماغوجية والإعلامية التي لا تأتي بخير لا على الشعب ولا على الوطن والقضية والأمة. الكل في الهم والجرح الفلسطيني واحد ولا أحد يلوم إلا نفسه.

في الجانب العربي والإقليمي على الدول العربية والإسلامية أن تبدأ بتحرك فعلي وفعال لكي تُبث الروح فيما تبقّى من عملية السلام! شبه الميتة، حتى لو أدى ذلك إلى الاصطدام بالجانب الأميركي المتغطرس الذي هو أكثر تصلباً وتعنتاً من إسرائيل الآن إزاء كافة القضايا التي تهم العالمين العربي والإسلامي.

جامعة الإمارات