كان أول وآخر رئيس أميركي ينادي رسمياً بأن يكون للشعب الفلسطيني وطن قومي. هو جيمي كارتر الذي اطلق هذه الدعوة قبل 30 عاماً من مدينة ماساشوستس الأميركية بصفته الرسمية كرئيس للولايات المتحدة.

وعلى الرغم من ان كارتر وجد نفسه سواء على قمة السلطة أو خارجها هدفاً للعداء من يهود أميركا دون أن يلقى دعماً من الزعامات العربية الرسمية إلا أنه لا يزال حتى يومنا هذا على موقفه يصر على أنه لا حل لمعضلة الشرق الأوسط دون ان يتضمن الحل حق الشعب الفلسطيني في وطن قومي أسوة بما حصل عليه الشعب اليهودي.

ابتداءً من عام 1977 عندما أعلن كارتر انحيازه للحق الفلسطيني المشروع شرعت المؤسسة اليهودية الأميركية في حملة لمنع إعادة انتخابه لفترة رئاسية ثانية. وقد كان لها ما أرادت.

وإذا كان اسم جيمي كارتر قد ارتبط في تلك الأثناء بالعملية التفاوضية التاريخية التي جرت بين مصر وإسرائيل وانتهت إلى اتفاقات كامب ديفيد التي جاءت غير متوازنة في صالح إسرائيل فانه ليس من الإنصاف تحميل المسؤولية في هذا الخلل للرئيس الأميركي.

على العكس من ذلك تماماً.. وكما كشفت عنه المذكرات التي نشرت لاحقاً فان كارتر كان يجاهد خلال الجلسات التفاوضية لكبح جماح الرئيس المصري أنور السادات لوقفه عن مواصلة تقديم تنازلات تلو تنازلات دون مقابل إلى الطرف الإسرائيلي بقيادة رئيس الوزراء مناحيم بيغن إلى درجة أن بيغن كان يعمد أحياناً إلى توجيه عبارات غاضبة إلى الرئيس الأميركي الوسيط.

الآن يبلغ جيمي كارتر أعلى ذرا شجاعته ونزاهته بإصدار كتاب يعرض فيه رؤيته المستقلة لمشكلة الشرق الأوسط، اختار له عنوان «فلسطين.. سلام لا عنصرية». وفي سياق الكتاب يقارن كارتر معاملة إسرائيل للفلسطينيين بنظام الفصل العنصري السابق في جنوب إفريقيا. على الفور ـ كما كان متوقعاً ـ ثارت عاصفة يهودية داخل الولايات المتحدة لدى صدور الكتاب ـ خاصة أن الكتاب يصعد سراعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً.

دون لف أو دوران يقول كارتر أولاً ان إسرائيل تتحمل المسؤولية كلها عن حل الصراع.. ويقول ثانياً ان أموال اليهود في الولايات المتحدة تشتري سكوت السياسيين الأميركيين ووسائل الإعلام. مع ذلك فإن المؤسف حقاً ان كارتر لن يجد دعماً عربياً بأي شكل من الأشكال. هذه هي المعضلة الحقيقية التي تكشف زيف شعارات ودبلوماسية النظام الرسمي العربي.

ولكن هل من الإنصاف للحقيقة أن ندمغ بالزيف الأنظمة العربية وحدها؟ كثير من هذه الأنظمة لا تنكر أنها تهادن إسرائيل من خلال سياساتها التهادنية مع الولايات المتحدة إلى عدم التجرؤ على التشكيك في ادعاء واشنطن بأنها الوسيط الحيادي النزيه بين العرب والإسرائيليين، غير أن قيادات الأنظمة يقولون أيضاً ان هذا هو ما يريد الفلسطينيون.

وهذه حجة ليس من السهل دحضها، فطالما أن هناك قيادات فلسطينية ترى أن أولويتها هي قمع ومحاصرة فصائل المقاومة الفلسطينية وليس مقارعة الاحتلال الإسرائيلي، فإن مسلك الأنظمة العربية الحاكمة يبدو مبرراً. وفي كل الأحوال فإن شخصيات غربية من طراز جيمي كارتر تثبت أنها أكثر «قومية» من قيادات عربية وفلسطينية.