لعل السرعة التي انتهت بها العمليات العسكرية ووصلت بها الدبابات الأميركية إلى قلب العاصمة العراقية عززت التوقعات التي وضعها وتصورها مهندسو سياسة الغزو، بل ان سرعة هذا الانجاز كانت في وقت اقصر مما توقعوه، فكان ذلك مفاجأة سارة جعلتهم يخفضون من سقف التحوطات والتوقعات المتعلقة بردود افعال الطرف الآخر ولربما تيقنوا لحظتها بأنهم بالغوا كثيرا في تقديرهم لردود الافعال في المنطقة العربية وذلك عندما فاجأتهم جملة من الوقائع على الصعيد العربي أهمها:
1- فوجئوا بأن تعاون حلفائهم من بعض الأنظمة العربية كان ديناميكيا متحمسا لا تشوبه شائبة، فقد كان صناع قرار الغزو يتحوطون ويتوقعون حرج موقف حلفائهم ودواعي خجلهم وهم يتعاونون مع غزاة يريدون الوصول إلى بغداد، التي بدون خلافاتها وفتوحاتها وعلمائها ومدارسها ولياليها لا يبقى الكثير مما يسمونه حضارة العرب، غير ان تعاون هؤلاء وحماستهم اثبت عدم صحة هذه المخاوف.
فلم يبدُ على هؤلاء الشعور بالانتماء إلى ذلك التاريخ أو أنهم يحملون له أية حرمة في أنفسهم، فالمحرم الوحيد الذي من اجله يتآمرون على كل مقدس، هو بقاؤهم في السلطة كما ان التاريخ بالنسبة لبعض الأنظمة يبدأ فقط من لحظة وصولها إلى الحكم، فما قبلها وما بعدها خراب لا يعنيهم في شيء ولذا فإن قبولية هؤلاء وما أبدوه من روح التعاضد فاق كل توقعات الغزاة.
2 - لم يكن تعاون الانظمة الحليفة مع الغزاة هو المفاجأة فذلك كان متفقا عليه ومحققا لا يرقي إليه الشك، بل عنصر المفاجأة السارة كان يتمثل في الحد والقدر الذي وصل إليه هذا التعاون وفي الجرأة وعدم التردد امام أي اعتبارات غير ان المفاجأة السارة الحقيقية بكل المقاييس بالنسبة لقوى الغزو لم تكن تكمن لا في تعاون الحلفاء المقربين .
ولا في الحياد المطلق من قبل من ليسوا محسوبين حلفاء من الأنظمة السياسية العربية، بل تجلت هذه المفاجأة في ما يسمى الموقف العربي الشعبي، فقد كانت الإدارة الأميركية اثناء عقد التحالفات والتخطيط للغزو تضع في حساباتها هامشا لما يسمى بالمفاجأة أو المتغير غير المحسوب من حيث حجمه وتأثيره على انجاز المشروع وكان منطقيا بالنسبة لمشروع الغزو الأميركي ان يكون هذه المتغير غير الخاضع لتقدير دقيق من حجمه وتأثيره، هو ردود افعال الشعوب العربية.
ورغم ان هذا المتغير لم يكن له أية قيمة تأثيرية على اي حدث خلال تجارب سابقة مريرة قريبة العهد من زمن الغزو، إلا ان الغزاة في هذه المرة يدركون أنهم اعتمروا قبعة الغزو رغم انف العالم مجتمعا وانهم لا تستر عورتهم أية ورقة تحمل اي حرف مكتوب بحبر أية منظمة دولية، هذا إلى جانب ان الغزو يعد استفزازا لا سابق له بالنسبة للأجيال الجديدة من هذه الشعوب وذلك لسببين:
أولا : ان هذا الغزو يعيد ذاكرة هذه الشعوب في القرن الواحد والعشرين إلى غزوات واحتلالات قرني الثامن عشر والتاسع عشر، التي استباح فيها الغرب دماءهم واعراضهم وأرضهم بحجج تافهة كسقوط مروحة من يد حاكم على وجه سفير، وكأن الزمن رغم هذه القرون لم يتحرك قيد أنملة في منطقتهم، وان الغرب لم يغير نظرته إليهم ككيان بائر خامد ليس له من وظيفة أخرى على خارطة العالم سوى كونه مجالا حيويا لمصالحه الاقتصادية والسياسية وفي ذلك استفزاز لهذه الأجيال واذلال ما بعده اذلال.
ثانيا: ان الغزاة يعون بأنهم ليسوا ذاهبين لاحتلال بلد صغير معزول في احدى جزر الكاريبي، بل يجهزون لغزو بلد يمثل ثقلا تاريخيا في ميزان الحضارة الإنسانية، كما تمثل عاصمته تاريخيا بالنسبة لشعوب المنطقة المعادل الثقافي لاثينا والسياسي لروما بالنسبة لشعوب الغرب.
ولذا فإن الغزاة كانوا يتوجسون من ردود افعال شعبية قد ـ ولعلها ـ تؤثر في الأداء التعاوني لحلفائهم من الأنظمة اثناء الغزو فيترتب على ذلك مفاجآت تزيد من تعقيد وكلفة انجاز المشروع وتذكي روح المقاومة لدى الجانب العراقي فتسقط فرضية الاستسلام السريع، ولهذا فقد اعدوا أنفسهم لتفهم ما قد يقوم به حلفاؤهم من بعض الأنظمة العربية من التمويهات الظاهرية للتغطية على مشاركتهم الحيوية والفاعلة بالنسبة لعمليات الغزو.
كما ان ذلك دفعهم إلى اعتماد الاستخدام المفرط للتكنولوجيا المدمرة من اجل تقصير عمر المواجهة العسكرية لدواع كثيرة من بينها تجنيب حلفائهم مشاق وحرج التعاون المفضوح الطويل الأمد، فإذا ما جرت العمليات بنجاح خاطف وتوجت باحتلال سريع لبغداد فسينتهي كل شيء بما في ذلك ردود الأفعال الشعبية على اعتبار ان الذاكرة العربية معطوبة سريعة النسيان.
كل هذه المخاوف والتوجسات لم يقع منها شيء رغم وجود مبرراتها ودوافعها، فلم تقع ردود الأفعال الشعبية التي كانوا يخشون وقوعها ولم يجدوا لدى حلفائهم اي حرج وهم يتعاونون مع مختلف مراحل الغزو، كما ان هؤلاء لم يموهوا مشاركاتهم كما كان مفترضا من قبل الغزاة ولم يتستروا على مواقفهم.
بل ذهب بعضهم إلى استباق عمليات الغزو ليبررها علنا على مسمع الشعوب التي يحكمونها دون خشية من اي ردة فعل كانت مفترضة في حسابات مخططي الغزو، الذين اكتشفوا حينئذ أنهم مهما بالغوا في ازدراء هذه الشعوب والتقليل من قيمة ردة فعلها، فان ذلك يظل بمثابة احترام لها إذا ما قورن بحجم احتقار حكامها لها وعدم خشيتهم منها.
لقد جرى الغزو والتعاون معه وسط هدوء اثار دهشة الغزاة أنفسهم، حيث ظلت الأغلبية الفاقدة لروح الفعل الجماعي من شعوب المنطقة تتفرج على ردة فعل يائسة من قبل الأقلية التي سرعان ما تولت أمرها السلطة بعنفها المعتاد على أساس ان هؤلاء حفنة مارقة عنيفة تستخف بالاخطار المحدقة بالوطن وتجهل حقيقة موازين القوى الدولية.
كانت تلك هي آخر المفاجآت السارة بالنسبة للغزاة الذين تصوروا مخطئين أن متاعب انجاز المشروع ستنتهي بوصول أول دبابة أميركية إلى ساحة فندق الرشيد، حيث سيحق لهم عندئذ ان يسترخوا في نوم لذيذ هادئ حافل بالأحلام.
كاتب ليبي- جامعة بنغازي
