يحار المرء في تفسير الدوافع التي حركت تلك المظاهرات التي خرجت في بعض العواصم العربية منددة بإعدام حاكم العراق السابق صدام حسين! هل هناك من يجادل في استحقاق من اقترفت يداه ما لا يُحصى من الجرائم، القصاص العادل؟ لماذا إذن يذرفون الدموع الساخنة عليه وهم لم يذرفوا دمعة واحدة على ضحاياه ومقابره الجماعية؟
لماذا التنديد بإعدام صدام وهو الحاكم الذي أذل شعباً كريماً وقام بما لم يقم به قائد في التاريخ الإسلامي من الإذلال وزرع الخوف والتعذيب وقطع الألسنة وجدع الأنوف ودفن الأحياء والقتل بالأسلحة الكيماوية وتهجير العراقيين ودفنهم في الصحراء كما يقول (عبدالمنعم سعيد)؟
لماذا استنكار القصاص من صدام وهو لم يكن ديكتاتوراً عادياً، بل بنى أكثر الأنظمة وحشية ودموية كما تقول (ديانا مقلد)؟لماذا تُذرف الدموع من أجل (ديكتاتور القرن) وهو من أغرق شعوباً ودولاً بدموع أطفالها ونسائها وشيوخها، كما يقول الصحافي (جهاد صالح)؟
لماذا تتشح بعض مذيعات ومقدمات القنوات الفضائية، بالسواد (حزناً) على صدام كما لم يفعلن من قبل لعزيز عليهن؟
يحار المرء في تفسير هذه (الظاهرة) في الساحة العربية، وتزداد حيرته حين يشهد صفوة القوم من كتّاب ومفكرين وصحافيين.
بل ومن (حواس العدالة) ـ محامين وزراء عدل سابقين ـ ونقابات كانت تدافع عن الحريات وعن حقوق الإنسان وشخصيات لطالما نادت بالديمقراطية، هؤلاء جميعاً تسابقوا لإقامة مؤتمرات تأبين (فقيد الأمة) للإشادة بمناقبه وتعداد منجزاته، وهو الذي لم ينجز شيئاً طوال حكمه الطويل مثل إنجازه صناعة الموت والتدمير والعدوان!
لماذا تكالبت بعض نقابات المحامين العربية بالأمس للدفاع عن صدام وهي اليوم تقيم مجالس العزاء؟! ولماذا سكتت عن ضحايا صدام؟ وأين ضمير هؤلاء من المقابر الجماعية ومن 180 ألف كردي أحرقوا بالكيماوي؟
إنها أسئلة تثير حيرة العقل الجمعي، وهي شديدة الوطء على النفسية العربية وتُحرج الضمير العربي: كيف أصبح الجلاد شهيداً؟ وكيف تفكّر دولة عربية في إقامة تمثال لصدام تضعه بجانب عمر المختار؟ ولماذا يرى رئيس حكومة عربية في إعدام صدام «إهانة» للأمة، ولا يرى في إذلال شعب لمدة ثلاثين سنة إهانة؟
إن محاولة تفكيك هذه الظاهرة الشاذة وتحليلها، ضرورة حيوية من أجل إعادة التوازن للسلوك الجماهيري، وأيضاً لحماية الصحة النفسية والعقلية للناس وبخاصة الأجيال الجديدة من الشباب والأطفال، وهي مسؤولية كبيرة على العقلاء الشرفاء من المثقفين.
هناك تفسيرات عدة لهذه الظاهرة، منها:
1) صدمة التوقيت: يفسّر البعض استهجان الناس ومظاهرتهم ضد إعدام صدام بمسألة التوقيت (في يوم العيد) الذي هز مشاعرهم، ولا يرى في ذلك تأييداً أو تعاطفاً مع صدام.
ولكن هذا التبرير لا يفسر لنا كيف أصبح صدام بطلاً قومياً، «محرراً للقدس» وشهيداً مغفورة خطاياه» لمجرد أنه أعدم في يوم عيد!
2) الصورة الطائفية لعملية الإعدام بما رافقتها من «انتقام» و»تشف» أثارت ردود فعل لدى الأكثرية السنية باعتبار أنها موجهة ضدهم، فاستنكارهم للصورة الطائفية لا تعني تأييداً لصدام.
ومع أن دوافع الانتقام والتشفي أمر مألوف في الحياة السياسية ضد الخصوم على مر التاريخ الإسلامي، فقد تسور الثوار بيت الخليفة عثمان وقتلوه وهو يقرأ القرآن، والحجاج ضرب الكعبة بالمنجنيق وصلب ابن الزبير، والأمويون استباحوا المدينة في وقعة الحرة «انتقاماً»، إلا أن هذا التفسير الطائفي لا يقول لنا: كيف انقلب الجلاد ضحية؟! ولماذا تناسى هؤلاء ضحاياه؟! ولماذا تحجب الصورة السيئة للإعدام، الصورة الأسوأ للمستبد؟!
3) كراهية المحتل الأجنبي: هناك من لا يرى في تلك المظاهرات التي حملت صور صدام تأييداً لصدام بمقدار ما هي كراهية للمحتل الأجنبي الذي أسقط صدام وحاكمه وأعدمه، ولكن كراهية المحتل ـ أيضاً ـ لا تبرر تناسي الضحايا، ولا تفسر تسابق بعض نقابات الصحافيين والمحامين العربية للإشادة بمناقب صدام. والحديث عن منجزاته؟!
4) الدافع المالي: هناك من يفسر تلك المظاهرات، بأن صدام أنفق الكثير من المال في شراء الذمم والأقلام وأغدق على كثير من الأحزاب والنقابات بالمنح والهدايا والكوبونات، ولكن لعبة شراء الأقلام والضمائر تمارسها كثير من الأنظمة العربية.
5) المخدوعون: هناك من يفسر بأن هؤلاء المتظاهرين مخدوعون بفعل التضليل الإعلامي ولا يعرفون شيئاً عن ضحايا صدام، ولكن من لا يعرف ضحايا صدام؟ وما غذر المثقفين وحراس العدالة ودعاة الحرية الذين لا يزالون يمجدون صدام؟
في تصوري أن «الظاهرة» لها بعد أعمق من التفسيرات السابقة، إنه الإعجاب الخفي بحكم «الفرد المستبد» المترسب في أعماق الجماهير وحتى النخبة المثقفة، بدليل أن هناك من لا يزال يبرر أخطاء عبدالناصر وهناك أيضاً المفكر المغربي الذي لا يزال معجباً بصدام.
جماهيرنا تعشق «الفرد البطل» وتنقاد له، بل وتتحمس له إذا رفع راية «التحدي» ضد الغرب وأميركا، وليس مهماً أن ينهزم أو أن يحقق أي إنجاز، يكفيه أنه «فحل» وقد أعلن «العصيان»، وهي تغفر للبطل خطاياه مهما نكل وعذب الناس وقتل وخرب الديار!! «الشيوعيون» عذبوا في سجون الحقبة الناصرية وغفروا لعبدالناصر لأنه تحدى الغرب، و«الإخوان» أيضاً عذبوا ولكنهم عللوا ما لحق بهم من تعذيب وتنكيل بأنه بأوامر الغرب ضدهم.
تاريخنا تاريخ بطولات أفراد ولا دور للشعوب، وثقافتنا تحفل بمنجزات الحاكم الفرد وتسميها باسمه ولا تحفل بالمنجزات والمشاريع الجماعية المشتركة، ولذلك فكل الصيغ الجماعية والمشاريع المشتركة فاشلة! وحتى الأدبيات التي تمجد «الوحدة» فذلك من أجل أن يقودها «فرد بطل» للتهلكة.
وأسباب ذلك كثيرة، منها: (ثقافة الطاعة) و(الإلف بالطغيان قروناً طويلة)، الاستبداد ليس منقصة لأن كلاً منا في حقيقته (مستبد) صغير، وهذا ما يفسر شيوع «ثقافة المصادرة» مؤخراً وصعود المناوئين للديمقراطية في بعض الانتخابات العربية.
كاتب قطري
