هناك نقطة مهمة في «استراتيجية بوش» حول العراق لم يتم التوقف عندها كثيراً في وسائل الإعلام، وهي تعمّده دقّ إسفين في العلاقات العربية، ومحاولته تكريس الانقسام الحاصل فيها بفعل أميركي أساساً، عبر حديثه عن أنظمة معتدلة وأنظمة متشددة، وربطه مصير المعتدلين بحتمية الانتصار في العراق.

هذا الفرز، الذي جدّده بوش للواقع العربي، هو مشروع فتنة، ودعوة علنية للتنافر السياسي والطائفي، وانزلاق في مقولة «من هو ليس معنا فهو ضدنا»، مع الإشارة هنا إلى أن هدف تقسيم الصف العربي وفق معايير أميركية هو أحد أهداف الحرب على العراق واحتلاله. ‏

أما الانتصار، الذي تحدث عنه بوش ومنّ به على من سماهم المعتدلين العرب، فهو بعيد المنال ويكاد يدخل في خانة المستحيلات ما دامت الأهداف الأميركية من الحرب على العراق ـ وليس في العراق ـ على حالها التي بدأت واستمرت بها، وما دام المفهوم الأميركي للنصر يقوم على حسابات بوش. ‏

وعليه يمكن القول: إن المحافظين الجدد الذين غرقوا حتى آذانهم في أوحال العراق، وفق قادتهم العسكريين، وأمْلوا على بوش عناصر استراتيجيته الجديدة، ما زالوا متمسكين بما يدور في رؤوسهم من أحقاد ومن نزعات انتقامية من العرب عامة وليس من المتشددين منهم كما يقولون، ويخطئ كثيراً من يظن نفسه من العرب أنه في منأى عن مخططات المحافظين الجدد وأحقادهم على العرب، وما أدلّ على ذلك من كون المحافظين الجدد لا ينفون توجهاتهم الصهيونية، وهؤلاء وبحسب استراتيجيتهم التي أعلنها بوش، لا يهمهم استقرار العراق وسيادته بقدر ما يهمهم تحقيق مخططاتهم الصهيونية. ‏

لذلك يلاحظ المتابعون لأوضاع المنطقة أن إدارة بوش تركز هذه الأيام هجماتها السياسية المعدّة مسبقاً على دول وقوى الممانعة العربية، وعلى إيران، وتطلق التهديد تلو الآخر إلى سورية بذريعة عدم القيام بما يجب عليها في مسألة ضبط الحدود مع العراق، وتدخلها في الشأن اللبناني، ودعمها للمقاومة الفلسطينية. ‏

سورية تعرف فعلاً ما يجب عليها تجاه أشقائها العراقيين واللبنانيين والفلسطينيين، ولا تتدخل في شأن أحد منهم، ولا تريد أن تتدخل، كما أنها تعرف أن وراء هذه الاتهامات الأميركية أشياء أخرى إسرائيلية المنشأ لا هدف لها سوى إضعاف العرب إلى القدْر الذي لا يمكنهم تجاوزه، عبر افتعال بؤر توتر جديدة في المنطقة وحولها، ودفع العرب لأن يقوموا بأنفسهم في صنع الشرق الأوسط الجديد بعد أن عجزت آلة الحرب والعدوان الأميركية ـ الإسرائيلية عن صنعه، وهذا أحد أهم دوافع إطلاق بوش ووزيرة خارجيته كوندوليزا رايس تسمية المعتدلين والمتشددين العرب، وتأكيدهما على هذا الفرز الشيطاني في أحاديثهما عن المنطقة، ووسائل معالجة قضاياها. ‏