في الوقت الذي يستنكر فيه الجميع، فلسطينيون وعربا غيرهم من الحريصين على الشعب الفلسطيني ومصير نضاله الوطني، التحرشات والصراع المنفلت بين حركتي فتح وحماس في الضفة الغربية وقطاع غزة، فإن المفارقة الكبيرة تكمن في العدد الكبير من التصريحات ومواقف الاستنكار للمواجهات بين فتح وحماس والتأكيد على حرمة الدم الفلسطيني من ناحية وفي الواقع المرير على الارض والذي يعكس شيئا آخر يكاد يكون منفصلا عن التصريحات التي يبدو انها تسير في واد آخر من ناحية ثانية.
وبعد التأكيدات الاخيرة التي جاءت في خطاب الرئيس الفلسطيني محمود عباس من جهة وفي خطاب رئيس الوزراء الفلسطيني اسماعيل هنية من جهة اخرى والتي اتفقا فيها على أولوية الوحدة الوطنية الفلسطينية وعلى الدعوة الى سحب المسلحين من الشوارع ووقف الاقتتال الداخلي، فإنه من المأمول ان يتم ترجمة هذه التصريحات الى خطوات عملية ملموسة على ارض الواقع ليس فقط من أجل ان يشعر بها الفلسطينيون في الشارع وفى حياتهم العادية، ولكن أيضا من أجل ان يكون ذلك مقدمة حقيقية لحوار فلسطيني فلسطيني حقيقي ومسؤول كذلك حتى يمكن وضع حد لخطر تطور يهدد الحاضر والمستقبل الفلسطيني.
نعم يمكن ان يقول كثيرون ان هذه ليست المرة الاولى التي تطلق فيها مثل هذه التصريحات، وان الشعور الفلسطيني والعربي بالخطر هو شعور واضح وعميق، غير ان ما قد يبعث على الامل هذه المرة هو العزم الواضح على ترجمة التصريحات الى مواقف عملية والسعي الفلسطيني الى اشراك مختلف الاطراف العربية المعنية في الجهود المبذولة للخروج من المأزق الراهن وهو ما قد يساعد في تأمين ذلك بشكل او بآخر.
على انه من الأهمية بمكان التأكيد على نقطتين اساسيتين: اولهما انه من غير الممكن القاء مسؤولية ما يجري في الاراضي الفلسطينية من اقتتال وتناحر على الاسرائيليين والامريكيين وحدهم. صحيح ان هناك دوما محاولات اسرائيلية لاضعاف الفلسطينيين بكل السبل الممكنة وعرقلة اية تحركات جادة من جانبهم لتمتين جبهتهم الداخلية، ولكن الصحيح أيضا ان ما يجري من تناحر انما يتم في النهاية بأيد فلسطينية وهو مايعيد الكرة الى الملعب الفلسطيني.
أما النقطة الثانية فإنها تتمثل في ان مسؤولية صيانة الساحة الفلسطينية وحمايتها ووقف محاولات اختراقها من جانب العديد من الأطراف هي مسؤولية فلسطينية اولا واساسا. وعلى ذلك فإن مسؤولية وقف الاقتتال والتهيئة للحوار والسير في الحوار والنجاح فيه أيضا هي مسؤولية تتحملها القيادات الفلسطينية جميعها لأن الفشل فيها تنعكس سلبياته على الساحة الفلسطينية بكل قواها وفصائلها ولأن الحصار الجائر الذي يتعرض له الفلسطينيون يؤثر عليهم جميعا بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية اوالايديولوجية.
في ضوء ذلك فإنه من الطبيعي ان يتطلع الجميع الى اجتماعات لجنة المتابعة الفلسطينية التي تضم ممثلين عن مختلف الفصائل الفلسطينية والتي بدأت امس لعلها تستطيع بلورة اتفاق بين فتح وحماس وبمشاركة الفصائل الفلسطينية الاخرى لتشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية تكون قادرة على التعبير عن آلام وآمال الشعب الفلسطيني وفتح جسور اتصال مع العالم الخارجي وعلى نحو يخدم المصالح الوطنية الفلسطينية الآن وفي المستقبل.
وإذا كانت هذه الفترة تشهد تحركات عديدة ومكثفة من أجل إعادة تحريك عملية السلام مرة اخرى سواء عبر اجتماعات مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الاوسط، أو من خلال اللجنة الرباعية الدولية، فإن بلورة موقف فلسطيني محدد ومعلن وواضح يحظى بمساندة مختلف القوى الفلسطينية او على الأقل فتح وحماس يعد أمرا بالغ الأهمية بالنسبة للمصالح الفلسطينية حتى لا تتذرع اسرائيل او غيرها بعدم وجود شريك فلسطيني. فهل ستقدم فتح وحماس هذا الشريك؟