يبدو أن الجولة العربية التي تقوم بها السّيدة كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية، لن تخلو من تهديدات موجّهة لأنظمة حليفة!.فالإدارة الأميركية غير راضية على أداء حلفائها العرب في المسألة العراقية، لأنّها تتعامل معها بلا مبالاة، ولا تقوم بما يكفي للتأثير على سنّة بلاد الرافدين، ممّا يعسّر المهمّة الأميركية، ويلقي عليها بكلّ ثقل الوضع العراقي المعقّد.

ولأنّها تعلم بأن مهمّته لن تكون سهلة في العراق، سعت الولايات المتحدة الأميركية بعد أسابيع من احتلالها للعراق صوب دول الطّوق، وحاولت أن تستنجد بها عبر دمجها في مهام تكمل الدور الأميركي وتعينهعلى حلّ، وهذه الدّول هي عربيا، المملكة السعودية والكويت والأردن ومصر وسوريا، وأعجميا إيران وتركيا.

ولكن هذه الدّول مجتمعة لا يمكن أن تتّفق على رؤية واضحة في إدارة الشأن العراقي، ولا يمكن أن تجتمع حول حلّ واحد له. وهو ما تبيّن خصوصا بعد اجتماعين لها لم يصدر عنهما إلاّ بيانات. كما أن هذه الدّول ليست على علاقة واحدة بالولايات المتحدة حتى يكون دورها كاملا ومكتملا، فبعضها، ـ وذلك من المفارقات ـ على علاقات متوترة بأمريكا، ممّا ترك مجالا واسعا لمناورات ولابتزازات متبادلة بينها وبين القوّة العظمى الغارقة في الوحل العراقي، وأيضا لصفقات لم تجد إمكانيّة للتحقّق وأجهضت في أغلبها قبل ضمان نتائجها.

الأمور كما هي معقدة جدّا، والاستراتيجية الأميركية في العراق متذبذبة، لذلك فإن التهديد الآخر الذي تحمله السيدة رايس، ينطلق هذه المرّة من خشية دول عربية من البعبع الإيراني وتنامي نفوذه في المنطقة عبر تنامي الدّور الشيعي في أكثر من بلد، وما على هذه البلدان إلاّ أن تترجم خشيتها فعلا وليس قولا يرافقه ركون للقدرة الأميركية وحدها في مواجهة هذا التهديد الذي مادامت الخشية منه مشتركة، فلابدّ من ردود فعل نحوه مشتركة أيضا!.

والمشكل أن ردود الفعل المشتركة تمرّ بالضرورة ومنطقيا عبر إنجاح الاستراتيجية الجديدة الأميركية في العراق، وهي استراتيجية قبضتها من حديد ووسائلها من نار ستكوي أولا المقاومة «السنية»، وستسعى إلى أن تضبط بدرجة أولى محافظة الأنبار، عبر مجازر كبيرة ودماء كالأنهار، وهنا يكمن جزء من خطورة اللعبة الأميركية التي تقتات من تناقضات السنة والشيعة بلدانا وطوائف، والتي لا تسعى في الأخير إلا إلى تحقيق ما يسميه الرئيس بوش بالنصر، ولا يهمّ عنده لا من يحقّقه ولا كيف يحقّقه، المهمّ أن يراه مجسّدا إرضاء لغاية في نفسه ولأوهام في خياله لم يستطع التخلّص منها رغم ثمنها اللاّإنساني الباهظ، ورغم ارتداد مضارها على الأمريكيين أنفسهم!.

والخلاصة أن الولايات المتحدة لم توفّر لها قوّتها الخارقة عسكريّا أي أمل، وها هي تجرّب منذ فترة أسلوب الدس والفتن، عسى أن يتحقّق ما عسر عن العضلات المفتولة وما تكلّس أمام مطرقة الحديد!.