رايس التي قالت إنها جاءت لتستمع لآراء الدول العربية، وإنها لا تملك مشروعاً للحل الفلسطيني - الإسرائيلي، لا نعتقد أنها جاءت سائحة تريد الاستحمام بالعقبة عن صقيع أميركا، ولا زيارة آثار المدن العربية كأهرامات الجيزة، أو مدائن صالح، أو تقفي آثار بابل، وإنما جاءت لمهمات صعبة بدأت تحدياتها في الكونجرس والشارع الأميركي، ولن تنتهي في بغداد.

بدون شك إن وزيرة الخارجية الأميركية تمتلك ثقافة كبيرة، وحضوراً مميزاً في المنتديات العالمية، لكنها تعيش بيئة غير صحية بعد النكسات الكثيرة للرئيس الأميركي في العراق وأفغانستان وتردده، أو استسلامه للموقف الإسرائيلي الذي يصنف على المحافظين الجدد في تحالف مستمر وفق عقيدة دينية تفسر القضايا السياسية وفق هذا المعتقد، حتى أن الاهتمام بها تحول إلى التجميد المتعمد.

المنطقة لم تعد ملعباً تتبارى فيه القوة العسكرية مع دبلوماسية غير واضحة المعالم، تناور على تهديدات ومخاوف من جيران عرب أو دول اقليمية. لأن من تسبب في الفوضى، الدولة العظمى حين اعتقدت أن أسهل الطرق لبناء عالمها الجديد يتحقق في أضعف الحلقات في العالم، أي الوطن العربي، لكن العراق الذي تبخرت فيه كذبة أسلحة الدمار الشامل، وتحالف سلطته القديمة مع قوى تهدد الأمن العالمي، جاء بنقيض أخطر عندما تحول إلى منزلق تحالفت داخله حرب مستعرة من مليشيات السنّة والشيعة، والبعثيين، والقاعدة، ومعظمها على عداء مطلق مع المحتل، أو متحالف معه بمنطق الحماية من عدو داخلي.

رايس تعلم أن القضية الفلسطينية لا تحتاج إلى سماع آراء أو أفكار جديدة، لأن ملفها في واشنطن معروف تتزايد أوراقه كل يوم، وربما تدرك أن موضوع إعطاء الوعود واستعراض النتائج سواء جاءت على شكل مخاوف إسرائيلية تأخذها أميركا بعين الاعتبار من الوضع الفلسطيني الغارق بمشاكله، أو الحياة التي لا تطاق بسبب حصار دولي واعتداءات إسرائيلية على الحياة الفلسطينية حولته إلى معادلة صعبة عندما يتجه إلى تيار إسلامي تسانده قوى إسلامية في العالم كله.

فإذا كانت الحلول العربية، أو مشاريعها لم تعجب أميركا، رغم وضوحها وتنازلاتها، فإن ما تطرحه قد لا يلقى القبول لعدم الثقة طالما لا تلتزم بمواثيقها ووعودها، وهنا جاءت زيارة الوزيرة الأميركية للترويج لحل غير مفهوم المعالم للصراع العربي الإسرائيلي، وتسويق لمشروع الرئيس بوش حول العراق وإيران، وهنا لابد من إدراك أن الدول العربية التي تصنفها الدوائر الأميركية بالمعتدلة والحليفة لا يمكنها أن تكون أدوات أو جيش مرتزقة كاحتياطي يلبي نزوات أميركا، أو تنقاد لمعارك ترفضها معظم القوى الأميركية تحديداً، فكيف بواقع عربي يدرك أن مصدر الخطر في كل الأحداث جاءت من القوة العظمى التي تعتقد أن مصالحها فوق الجميع حتى لو عمّ الدمار الشامل كل المنطقة.

الوضع الأميركي لا يعالج بالصدمات، إذا كانت لا تلقي بالاً لحلفاء أوروبيين، ولا توازن بين الخطأ، والاعتراف به حيال ما سبق أن دونته في سجلاتها من آراء الأصدقاء العرب، ولذلك نقول إن المكاشفة واحترام الرأي الآخر، ربما يجدان فرصة عند الأميركيين، لأن عصر المغامرات ولّى ولن نكون طعاماً لحروب مستجدة أو قادمة.