لا أعرف إن كانت هناك جهة ما في الحكومة ترصد ما يدور في برامج البث المباشر التي تقدم في إذاعاتنا المحلية وما يطرح خلالها من مشاكل وقضايا تمس حياة المواطنين وتتعلق بهمومهم اليومية ومعاناتهم، لكن الذي أعرفه ويلمسه معي كل من يتابع هذه البرامج أنها أصبحت برلمانات مفتوحة تتمتع بسقف عال من حرية الطرح والنقاش ربما من الصعب إتاحته في المجالس النيابية المُنتخَب أعضاؤها وفق النظم الدستورية المتعارف عليها.
لا أقول هذا من باب استعداء السلطة على هذه البرامج التي أصبحت متنفساً للمواطنين الذين يجدون فيها وسيلة للتعبير عن همومهم وطرح قضاياهم التي تصطدم بالتشريعات والقوانين أحياناً، وبالإمكانات التي كثيراً ما تلقي عليها الجهات الحكومية عجزها عن تلبية مطالب المواطنين التي تبدو لمن يستمع لها منطقية ومعقولة، وتمثل في مجموعها الحد الأدنى الذي من المفترض أن توفره لمواطنيها دولةٌ غنيةُ الموارد قليلةُ عدد السكان مثل دولتنا.
ورغم ذلك فإن من يستمع إلى برامج البث المباشر في إذاعاتنا يلتبس عليه الأمر حتى يحسب نفسه يستمع إلى إذاعة من إذاعات الدول ذات الإمكانات الفقيرة لكثرة ما يلحظ من شكاوى المواطنين التي تصب في خانة المتطلبات الأساسية للحياة وليست الكماليات أو الرفاهية التي عادة ما يبحث عنها المرء بعد أن يستكمل حاجاته الأساسية التي يتطلبها العيش الكريم، ونعني بها المسكن المناسب الذي يُشعِر المواطن بالأمان، والوظيفة التي تؤمن له دخلا ثابتا يقيه ذل السؤال، والخدمات الضرورية التي يكتمل بها العيش الكريم من مستشفيات ومدارس ومرافق عامة.
رب قائل يقول إن البشر بطبيعتهم متطلبون، وإن إرضاء الناس غاية لا تُدرك. وهذا صحيح لو كان الذي نتحدث عنه حالات فردية متناثرة لا نستطيع أن نقيس عليها، ولكن الواقع خلاف ذلك، فعندما يُفتَح ملف الإسكان على سبيل المثال، وهو ملف مفتوح بشكل دائم في كل برامج البث المباشر، نجد أمامنا حالات تُدمي القلوب لمواطنين بلا مساكن، يذهب الجزء الأكبر من رواتبهم ودخولهم لدفع إيجارات البيوت التي يستأجرونها.
وهم على قائمة الانتظار منذ سنوات للحصول على قطع أراضٍ سكنية أو مساكن شعبية. المحظوظ منهم من حصل على قطعة أرض ليخوض معركة الحصول على قرض لا يفي في كل الأحوال بمتطلبات بناء مسكن مناسب يليق بمستوى وعدد أفراد أسرة إماراتية محسودة على الغنى الذي تتمتع به دولتها، مما يضطره للجوء إلى البنوك ليدخل في دوامة القروض ذات الفوائد المرتفعة التي ينقضي العمر وتبقى هي عبئا يثقل كاهل رب الأسرة، وربما امتد أثره إلى الورثة من الأبناء والأهل، لتستمر حلقات مسلسل الإسكان الذي يحتل الجزء الأكبر من مساحة برامج البث المباشر التي نتحدث عنها.
فإذا ما قلبنا صفحة الإسكان استقبلتنا صفحة البطالة التي أصبحت تقضُّ مضاجع المواطنين وأبنائهم بعد أن غدت كابوسا يجثم على صدورهم مشكّلة واحدة من الأزمات التي يعاني منها المواطنون ولا يرون في الأفق حلولا ناجعة لها تطمئنهم على مستقبل أبنائهم الذين يدفعون بهم كل يوم إلى المدارس والجامعات على أمل أن يسهموا في بناء الوطن بعد أن يتسلحوا بالعلم الذي تحث الدولة على تحصيله.
وتنشئ المدارس والجامعات من أجل توفيره للمواطنين، وتوفد البعض منهم إلى خارج الدولة للنهل منه، حتى إذا ما عادوا بشهاداتهم الجامعية والعليا وجدوا أنفسهم على أبواب الوزارات والدوائر المحلية والهيئات والمؤسسات الخاصة يتسولون الوظائف في دولة توفر آلاف فرص العمل للباحثين عنها من كل البلاد والأصقاع، بينما يجد أبناؤها أنفسهم كالأيتام على موائد اللئام .
وهم يطرقون بشهاداتهم كل الأبواب فلا يجدون إلا الصد والإهمال، والتسويف والوعود التي لا يتحقق منها شئ في أحسن الأحوال، وإن تحقق فبعد جهد جهيد ومعاناة، ووسائل لو أتيح للبعض منا الاطلاع عليها وعرف حقيقة ما يحدث في عالم الوظائف ببلدنا لاستغرب أن يحدث هذا لمواطنين في بلدهم الذي يحسدهم الكثيرون على الانتماء له ويسعون إلى الحصول على جنسيته أو الإقامة على أرضه أو حتى مجرد زيارته.
ربما اعتقد البعض أن في هذا مبالغة تقتضيها طبيعة المقال، لكن الواقع أكثر مرارة مما يمكن أن يقال. وعلى هذا قس شكاوى المواطنين من الخدمات الصحية، وموقفهم من نظام التعليم الذي لم يستقر منذ سنوات على حال.
ومعاناة الشباب مع صندوق الزواج الذي يضع سقفا للراتب لا يتجاوز العشرة آلاف درهم للحصول على المنحة، الأمر الذي يراه البعض دعوة غير مباشرة إلى الاكتفاء بالشهادة الثانوية والسعي إلى الحصول على وظيفة تناسب هذا المؤهل - إن وُجدت - كي لا يزيد راتبها عن الحد الأعلى الذي يشترطه الصندوق للحصول على المنحة إذا أراد الشاب المواطن الزواج، وهي بالتالي دعوة إلى عدم سعي الشباب لتحسين مستواهم المادي.
وخروج عن الأهداف التي أنشئ من أجلها صندوق الزواج، مما سينعكس في النهاية سلبا على زيادة النسل بين سكان الإمارات، وتوسيع الهوة بين المواطنين وغير المواطنين المقيمين على أرض الإمارات، وتفاقم أزمة التركيبة السكانية التي ما زالت بلا حلول رغم اعتراف الجميع - مسؤولين ومواطنين عاديين - بخطورتها وآثارها السلبية على مجتمع الإمارات.
قضايا ومشاكل ربما تبدو في ظاهرها بسيطة إذا ما نظرنا إليها من مقاعد المتفرجين الذين لا يعانون منها، لكنها حيوية بالنسبة لأولئك الذين يطرحونها بحرقة واضحة من خلال برامج البث المباشر طالبين البحث عن حلول لها بين أروقة الجهات المختصة وخلف دهاليزها، فتصل صرختهم مرة وتتلاشى في الأثير مرات أمام صمت بعض الجهات المسؤولة وعجز بعضها الآخر عن تقديم الأجوبة الشافية، ناهيك عن الحلول الناجعة.
لذلك نتمنى لو كانت هناك جهة ما في الحكومة تتولى حصر كل ما يطرح في برامج البث المباشر من قضايا وشكاوى ومتابعتها مع جهات الاختصاص لحل هذه المشاكل حلا جذريا، لا التعامل معها على أنها حالات فردية، خاصة وأننا مقبلون على مجلس وطني جديد بتركيبة مختلفة. فهل تكون هذه البرامج برلمانات مفتوحة للجميع، يعبّرون من خلالها عن كل ما يحتبس في صدورهم، ورافدا جيدا لأعضاء المجلس الوطني الجديد؟
هذا ما نتمناه، شريطة أن تجد من يستمع إليها، والأهم من ذلك من يستجيب لكل ما يطرح فيها.
كاتب إماراتي
aliobaid2000@hotmail.com