الوزيرة رايس كانت، هذه المرة، واضحة وصريحة؛ كما لم تكن مرة من قبل. قالت إنها «لا تحمل مبادرة أو خطة» للسلام بين الفلسطينيين وإسرائيل. في السابق كانت ـ كما كان أي وزير سابق لها قام بزيارة إلى المنطقة ـ تزعم أنها جاءت لتنشيط أو تفعيل أو تحريك أوطرح مبادرات وخرائط طرق وأفكار؛ ترمي إلى دفع وتزخيم عملية السلام! الحصيلة كانت على الدوام نفسها: لفّ ودوران ومكانك راوح.

الجهود كانت موجهة في اتجاه آخر؛ ولتحقيق أغراض أخرى مع ما انطوى عليه ذلك من تمكين لإسرائيل كي تمعن في المضي بخططها وإيجاد مشاريع ووقائع على الأرض؛ تصبح هي بحاجة إلى مفاوضات واتفاقيات وتفاهمات لمعالجتها. هذا إذا كانت قابلة للمعالجة.

في هذه الجولة تخلت رايس عن هذه المعزوفة. وهي صادقة في ذلك. ليس تعففاً. بل لأنها تأتي اليوم بمهمة أخرى يحتل موضوعها أولوية الأولويات عند إدارة الرئيس بوش: تسويق خطة واشنطن الأخيرة بخصوص العراق يعني مطالبة المنطقة بدعم وتسهيل تنفيذها وفي ذلك صعوبة، إن لم تكن مشكلة، محفوفة بالكثير من المحاذير؛ لأسباب ثلاثة:

أولاً عدم وضوح هذه الخطة وصمامات أمانها خاصة وأنها لا تختلف في الجوهر عما تمّ تجريبه وادّى بالأوضاع إلى ما هي عليه اليوم. ثانياً ان الوزيرة تأتي لتطلب في حين لا تحمل ما تعطيه؛ على صعيد القضية الفلسطينية، مع كل ما يعنيه ذلك من ترك الحبل على غاربه لإسرائيل.

وثالثاً تأتي لتسويق سياسة لم يقوَ الرئيس بوش على بيعها في واشنطن قبل تصديرها. الكونغرس ضدّه في هذا الصدد. وحتى بعض أركان حزبه الجمهوري أبدى اعتراضه عليها. ناهيك عن الرأي العام ووسائل الإعلام الأميركية؛ وحتى العواصم الأوروبية.

في ترويجها تردد أوساط الوزيرة، بأن أمن دول المنطقة مرتبط بعدم هزيمة أميركا في العراق؛ وبأن الخطة تستهدف لجم المتطرفين في الشرق الأوسط. طبعاً دول المنطقة حريصة على أمنها؛ كما على لجم التطرف لكنها أشد حرصاً على كيفية توفير الأمن والاستقرار. فالحلّ الأمني في العراق، لم تتحقق معه الأهداف المنشودة. عجز عن إحداث أي تغيير أو أي تقدم ولو بسيط إلى الأمام. على العكس قاد إلى الأسوأ.

واليوم تعيش المنطقة حالة التهاب حاد. التعامل معها بلغة الأمن فقط يزيدها التهاباً. ثم إن في هذا التوجه، الذي لا يحمل أي شيء للقضية الأساسية في المنطقة، تجاهل لقانون سائد مفاده أن الاستقرار المنشود متعذر في المنطقة؛ قبل أن يحصل تقدم ملموس في فلسطين. إزاحة هذا الملف إلى الصف الثاني إذا لم يكن الخلفي، فيها تعسف ليس من السهل هضمه. ليس في ذلك أي تقليل من أهمية والحاحية الملف العراقي.

كان الأجدر أن يحصل تصويب، لمقاربة قضايا المنطقة؛ قبل محاولة التصدّي لها. التعامل معها بالمفرّق والأفضلية؛ كان ولا يزال أحد اعطاب السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. العطب الثاني كان دائماً في التركيز على الجانب الأمني وعامل القوة؛ أما المباشرة ـ العراق ـ واما بالوكالة ـ إسرائيل والأراضي المحتلة ـ وهي مقاربة لم تكن مجدية. ومن المشكوك فيه أن تكون اليوم على أفضل مما كانت عليه بالأمس.