كلما اتخذت الإدارة الأميركية لنفسها موقفاً جديداً وأمعنت فيه بسياساتها المتغطرسة، قلنا إنها نهاية المطاف وذروة الصلف، لكن ما أن يمضي بعض الوقت وتعتاد الذاكرة على المشهد الجديد حتى تطالعنا تلك الإدارة بخطوات أخرى أشد عنجهية لا تقل عن سابقاتها.
هذه الممارسة السياسية لم تعد مسألة التعامل بها وفرضها على الآخرين مقتصرة على السياسة الخارجية التي تنتهجها الإدارة الأميركية فحسب، بل إنها باتت تطال حتى أقرب المقربين لها من أهل البيت بمن فيهم من كلفتهم بنفسها بوضع دراسة حول الوضع في العراق والمقصود هنا هو لجنة بيكر- هاملتون التي وضعت الدراسة على خير ما يرام وتوصلت إلى استنتاجات جدية طرحت من خلالها على الإدارة مجموعة من التوصيات الموضوعية إلى حد ما للخروج من مستنقع الوحل العراقي.
لكن العقلية المتغطرسة المسيطرة على أسياد البيت الأبيض لم تسمح لهم بالتحلي بروح نقدية بناءة تسمح لهم بالإقرار بجوهر تلك الاستخلاصات التي وضعتها اللجنة الأميركية العتيدة، التي جمعت في عضويتها بين طرفي الطيف السياسي في بلاد العم سام.
وإن كانت تلك اللجنة قد أصابت في شيء، فذلك عندما أشارت إلى ضرورات ثلاث لا مناص من أخذها على محمل الجد إذا ما توفرت الإرادة السياسية الحقيقية للخروج من ذلك المستنقع، الذي لا يخدم سوى مصالح حفنة ضيقة من المحافظين الجدد في الولايات المتحدة فضلا عن مصالح الدولة العبرية بالطبع، تلك الضرورات تمثلت أولا في سحب القوات الأميركية من العراق مع حلول عام 2008.
وثانيا العمل بصورة جدية على إيجاد حل للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، الذي يشكل برأي الجميع قلب الصراع في الشرق الأوسط برمته وربما في العالم أجمع حسب ما يذهب إليه الكثير من المسؤولين والمراقبين السياسيين، وثالثا تأتي ضرورة مد جسور التعاون والحوار مع كل من سوريا وإيران، لأنه بدون دور لهذين اللاعبين الرئيسيين في المنطقة، لا يمكن أن يرى النور أي مشروع سياسي أو أمني في المنطقة مهما جيشت له الجيوش وأنفقت عليه الأموال.
لكن إستراتيجية بوش، التي طال انتظارها الثقيل، تحت وقع الدم العراقي والفلسطيني واللبناني ومؤخرا الصومالي النازف بلا انقطاع، تجاهلت تلك الضرورات جميعا وتناست القضية الفلسطينية العادلة والممارسات الصهيونية القاتلة، وصعدت الموقف الأميركي ضد كل من إيران وسوريا في خطوة تشير إلى طلاق بائن ربما أو على الأقل في المرحلة الحالية بين كل من طهران ودمشق من جهة وواشنطن من الجهة المقابلة، الأمر الذي يعمق حالة الفرز القائمة في المنطقة منذ حين بين معسكرين اثنين لا محل للون الرمادي فيهما، الأول معسكر تقوده الولايات المتحدة وتندرج في إطاره الدولة العبرية أولا.
ومن ثم ما بات يسمى الدول العربية المعتدلة، التي راحت تستجيب منذ حين إلى املاءات واشنطن في ما يتعلق بكل شاردة وواردة تخص المصالح الغربية في المنطقة. أما المعسكر الثاني فتندرج في إطاره ما بات يسمى أطراف الممانعة للسياسة الصهيو- أميركية في المنطقة.
صحيح أن كل ما سبق قد بات أمرا مألوفا وأن التحركات السياسية لكلا الطرفين تثبت صحة ما ذهبنا إليه، لكن الجانب غير المألوف ربما في هذه المسألة يكمن في أن تحالفات ومصادر قوة المعسكرين لم تعد تعتمد على القوى والقوات النظامية التابعة لكل دولة من الدول المنضوية تحت راية كلا المعسكرين وخصوصا الذي تقوده الولايات المتحدة فحسب، بل أيضا على جماعات وميليشيات مسلحة لا يضيرها بشيء استخدام القتل والتدمير لتحقيق مصالح أنانية ضيقة غير آبهة بمعاناة الناس.
طبعا مع تسجيل فارق كبير يتمثل في أن معسكر «الخير» الأميركي تنضوي تحت لوائه ميليشيات ذات طابع طائفي أو عرقي أو أي شيطان آخر من هذا القبيل، بينما يعتمد معسكر «الشر» الممانع على منظمات وتنظيمات سياسية وأخرى تنتمي إلى المجتمع المدني وحركات التحرر الوطني، بما في ذلك قوى ومنظمات وجمعيات وشخصيات أميركية ماضية قدما في محاولاتها الكفاحية لوضع حد لاستراتيجيات بوش المدمرة والآيلة إلى زوال حتما.
وهنا تظهر ضرورة رابعة، لم تأت على ذكرها تلك اللجنة العتيدة والتي ذهب مجهودها أدراج الرياح، وتتمثل في ضرورة أن يشهد الكون صحوة عالمية تؤدي بدورها إلى تشكيل جبهة عالمية مناهضة للفكر والممارسة التخريبيين اللذين ينتهجهما تيار المحافظين الجدد ومن لف لفيفهم حول العالم.
bassil@albayan.ae