في أواخر القرن الماضي وبداية هذا القرن طغى على الساحة العالمية بشكل عام وعلى الساحتين الإسلامية والعربية بشكل خاص موضوع جدلي حول الإسلام والديمقراطية وبمعنى أكبر هل يوجد ترابط بين الإسلام والديمقراطية وبأكثر دقة هل يحتوي مفهوم الفكر الإسلامي على الديمقراطية، أم أن الإسلام بريء من هذه الديمقراطية.

وعلى كل حال هناك كتابات وبحوث وآراء صادرة من كتاب ومفكرين حول هذا الموضوع ومنهم من يرى أن الإسلام لا يتعارض مع الديمقراطية أو الحداثة.

وأصحاب هذا الرأي ينطلقون من مفهوم أن الديمقراطية ليست ضد الفكر الإسلامي غير أنهم يقولون أن العالم الإسلامي حاليا في أزمة بعد أن كانت حضارتهم زاهية وفيها من التسامح والإنسانية والعدالة الاجتماعية غير أن هذه الحضارة أخذ بريقها يخفت حتى انتهت بل أصبحت دول هذا العالم تحت نير الاحتلال وأصاب شعوبها الجهل والفقر، ومن بعد ذلك تولت حكم هذه الدول حكومات ذات أنظمة شمولية مدعومة من الغرب فأحدثت هذه الأنظمة المشكلات الضخمة في بلادها مما أنعكس سلبا على شعوبها.

وفى هذه المرحلة أخذ أصحاب هذه الرؤية ووفق المترائي من رؤاهم باعتناق مبدأ دعم الديمقراطية الغربية ومحاولة تطبيقها في الدول الإسلامية على اعتبار أن هذه الديمقراطية تتوافق مع الإسلام وأفكاره.

وفي الغالب أن من اعتنق هذا المذهب هم من المثقفين والمفكرين المسلمين الموجودين في أوروبا وأميركا ويحملون جنسية تلك الدول الأجنبية، وتنصب جهود هؤلاء على أن الديمقراطية متوافقة مع الإسلام في محاولة منهم لتحسين صورة الإسلام في بلدانهم الغربية.

ويجدون كذلك وفق رؤاهم طبعاً أن شعوب الدول العربية والإسلامية متلهفة إلى الديمقراطية ومتطلعة إليها بشغف باعتبارها أفضل أشكال الحكم، إلا أن العقبة الرئيسية التي تقف حجر عثرة أمام تطبيق الديمقراطية الغربية في هذه الدول الإسلامية هي بعض حكوماتها التي فشلت في إقامة العدل والحرية والديمقراطية.

وهناك فريق ثان له رأي آخر يقوم على أن الديمقراطية الغربية لا تتوافق مطلقاً مع الفكر الإسلامي ذلك أن القول بأن شعوب الدول الإسلامية متلهفة إلى الديمقراطية لا يجد له أساسا خصوصاً إذا ما علمنا أن هذه الشعوب بعيدة كل البعد عن الفهم الصحيح لأصول الديمقراطية الغربية ومراميها الاجتماعية على مستوى الفرد والمجتمع والدولة.

شرعت هذه الجماعة المعتنقة لهذا الفكر في شرح معاني الديمقراطية الغربية ومحاسنها ومساوئها على الشعوب العربية ومن الطبيعي ان المقصود هنا هو نخب مختارة من هذه الشعوب وتوصلوا إلى نتيجة تكاد تكون طبيعية مع ما يتوقع لها وهي أن هذه الشعوب نفرت من فكرة الديمقراطية الغربية كونها في مواضع كثيرة منها تخالف الفكر الإسلامي.

ثم إن أصحاب هذا الرأي لا يؤيدون تطبيق النظرية الغربية للديمقراطية على المجتمع الإسلامي وذلك لاختلاف التقاليد والقيم والثقافة في كلا المجتمعين الإسلامي والغربي لذلك يكون من الصعب جداً بل من المستحيل تقبل تطبيق هذه النظرية الغربية على الواقع الإسلامي لوجود تلك الاختلافات الجوهرية بين المجتمعين.

لذلك يتجه أصحاب هذا الرأي إلى إيجاد صيغة مشتركة تنطلق من أرض واقع الديمقراطية الغربية ويتم إدخال تحسينات وتعديلات عليها تكون في النهاية مواءئمة للمجتمع الإسلامي ويمكن تقبلها وتطبيقها.

وفي المحصلة يمكن القول ان أصحاب هذه النظرية يحملون لواء الديمقراطية الغربية وضرورات تطبيقها على واقع الدول الإسلامية مع تجميل صورة تلك الديمقراطية وتحبيبها للمجتمع الإسلامي.

غير أن هناك فريقا ثالثا يجد أن تطبيق الديمقراطية ممكن بصيغتها الطبيعية أو بعد التحوير من إضافة وتعديل وفي كل الأحوال أفرز هذا التطبيق ولادة الكثير من المتطرفين من الذين قد يستغلون هذه الأفكار الديمقراطية الغربية ليتسلقوا بها إلى السلطة بل أن بعضهم فعلاً نجحوا فيها وقلبوا موازين نظرية الديمقراطية الغربية.

والأكثر خطورة أن هؤلاء تسلقوا سلم السلطة باسم الديمقراطية الغربية وبمباركة المجتمع الدولي وخصوصاً الغربي، ولكنهم عندما تسلموا دفة الحكم نسفوا تلك الأفكار المهجنة للديمقراطية وأنكروها وتحولوا إلى وحش يلتهم كل ما له صله بالإنسانية والحرية والأمثلة على ذلك كثيرة.

فأصحاب هذا الفكر يحذرون من اعتناق مذهب الديمقراطية الغربية بكل أشكاله لكي لا تكون القاعدة التي ينطلق منها المتطرفون لدين أو مذهب أو طائفة لاحتكار السلطة وبعد ذلك وكما يقال ينقلب السحر على الساحر.

أما الفريق الرابع فيرى أن كافة هذه الأفكار الآنفة الذكر هي أفكار غير واقعية وغير صحيحة انطلاقا من مبدأ رئيس في هذه القضية هو أن ليس للغرب ولاية على الإسلام بمعنى أنه ليس للدول الغربية ومجتمعاتها الغربية أن تفرض ثقافتها وديمقراطيتها على الدول والمجتمع الإسلامي.

وأنه ليس من المنطق أن تكون الدول الغربية وصية على أفكار وطرق معيشة وتفكير المجتمع الإسلامي، وأنهم يرون أن الموضوع هو أكبر من موضوع الديمقراطية الغربية أو الشرقية أو الإسلامية وإنما هو موضوع ضخم يتمثل في موضوع صراع ثقافات وحضارات.

ويرى هذا الفريق أيضاً وفق مفهوم صراع الحضارات أن الغرب يحاول أن يهدم الفكر الإسلامي بأي صورة وما المطالبة والضغط على تطبيق الديمقراطية الغربية على المجتمعات الإسلامية إلا أداة من أدوات الهدم الغربي للمجتمعات الإسلامية، وتكمن خطورة الوضع في انصياع أعداد كبيرة تعلمت وتثقفت بالثقافة الغربية واعتنقت نظرية الديمقراطية الغربية وآمنا بتطبيقها على مجتمعاتها الإسلامية وقد تناسى هؤلاء أن للإسلام ديمقراطية وحرية وعدل ومساواة هي أكبر بكثير مما تحتويه ديمقراطية الغرب.

ونشهد أن هذا الموضوع أخذ حيزا كبيرا في وقتنا الحاضر وأرهق مفكرينا وكتابنا الذين يناضلون من أجل إيصال الحقائق إلى مفكرين وكتاب ممن اعتنقوا الثقافة الغربية وأن كانت أصولهم من دول عربية وإسلامية إلا أن ثقافتهم بنيت دون أساس إسلامي لذلك يجب إيصال الحقائق لهم وهي أن الإسلام هو أول نظام عالمي وضع أسس الديمقراطية.

وأن الإسلام طبق هذه الديمقراطية تطبيقاً صحيحاً، وأن من العقل الرجوع إلى هذه الأسس ويقيناً سيجد المجتمع الإسلامي ضالته وسيجد كل مفكر وباحث أداته الفعالة لإبطال الزهو المفتعل للديمقراطية الغربية والتي لنا قول ورجعة أخرى إليها ان شاء الله.

كاتب إماراتي

rashid.shabib@bsa.ae