فوجئنا بالأمس بالخبر الذي تداولته جرائدنا المحلية والمتعلق بطعن شاب مواطن لشاب مواطن آخر يكبره في السن لأسباب لم تذكرها جرائدنا، ولكن على ما يبدو أنها أسباب متعلقة بغضب المعتدي.

وأقول هنا تفاجئنا لأن مثل هذه السلوكيات غريبة على مجتمع الإمارات، فنحن لم نسمع قط باعتداء طالب على مدرسه بسكين، أو عن مواطن يطعن أخاه المواطن، أو مواطن شاب يشنق نفسه في غرفته، إلا في الآونة الأخيرة؛ فهذه سلوكيات غريبة وحديثة على مجتمعنا، وإن عبرت عن شيء فإنها تعبر عن مدى التغيرات الاجتماعية والقيمية في ثقافة المجتمع.

والتي هي ناتجة عن عوامل مختلفة ومنها تأثير وسائل الإعلام والعولمة والانفتاح غير المقنن، وغيرها، وهي عوامل لا يعرف شبابنا الصغار كيفية التعامل معها أو استيعابها، مما يؤدي بهم إلى المعاناة من أزمات نفسية ومجتمعية يعبرون عنها بسلوكيات عنيفة إما ضد أنفسهم أو ضد الآخرين.

لا أريد أن أسهب هنا في مسببات العنف وعناصره لأنها بشكل أو بآخر معروفة للجميع، ولكنني سوف أدخل بشكل مباشر في آليات علاجه والوقاية منه لأن ذلك هو الأهم في نظري. فنحن بحكم التجربة المباشرة مع الأحداث قد نعرف مسببات العنف ولكننا عادة ما نقف حائرين ومتسائلين عن آليات وتقنيات علاجها.

برامج الوقاية من العنف عادة ما تصنف في مجموعات مختلفة وذلك بناء على أسبابه وطبيعته. فهناك برامج إدارة الغضب، وهناك برامج لمنع التحيز ضد الآخر، وهناك برامج التدخل لحل الأزمات، وهناك برامج للوقاية من عنف العصابات، وبرامج المهارات الاجتماعية، وبرامج رفع مستوى الاعتداد والثقة بالنفس وغيرها.

وسأحاول هنا التطرق لهذه البرامج بما تسمح لي به المساحة المخصصة، خاصة وأن التحدث عن كل هذه البرامج بالتفصيل يحتاج لصفحات، وليس مساحة محددة في صفحة. وسأبدأ بعلاج إدارة الغضب والذي على ما يبدو أنه هو السبب وراء الحادث الأخير الذي ذكرته الصحافة المحلية.

هناك رابط قوي، أكدته معظم الدراسات التي تمت في هذا المجال، بين الغضب المزمن وغير المسيطر عليه والسلوكيات العنيفة. وبالرغم من أن الغضب شعور مشروع وشائع، إلا أن قليلاً من الناس قادرون على التفاعل معه وإدارته بشكل فعال وإيجابي.

والبرامج التي تركز بشكل خاص على كيفية التعامل مع مشاعر الغضب وكيفية إدارتها بالشكل الأمثل عادة ما تستخدم ما نسميه بالاتجاه السلوكي المعرفي. وتركز هذه البرامج بشكل عام على ثلاثة عناصر رئيسية، أولها الإدراك، يليه الشعور، ثم السلوك؛ والإدراك يقصد به هنا فهم المثيرات المسببة للغضب عند كل حالة يتم التعامل معها. أما الشعور فيقصد به طبيعة المشاعر التي يشعرها الإنسان عندما يغضب أو تتم مضايقته، ويليهما السلوك، ويقصد به الأفعال التي يقوم بها الشخص نتيجة إحساسه بالغضب.

نحن في كل مواقفنا الحياتية اليومية نتصرف ونقوم بأفعال مختلفة، وهذه الأفعال في حقيقتها نابعة من مشاعر معينة تكونت لدينا نتيجة لطريقة تفكيرنا في حادثة أو موقف معين حدث لنا في ذلك اليوم.

إن الحوادث والمواقف المختلفة التي نصادفها في حياتنا اليومية ليست هي السبب وراء غضبنا أو فرحنا، ولكن كيف نفكر في هذه الحوادث وما هي المعاني التي نضفيها عليها، ذلك ما هو مسؤول بالدرجة الأولى عن مشاعرنا وسلوكياتنا التي تنتج عنها، سلبية كانت أو ايجابية. وبرنامج إدارة الغضب يركز بشكل خاص على إيجاد الرابط بين الأفكار وبين المشاعر والسلوكيات.

فالبرنامج يعمل على تحديد مثيرات الغضب ويضع أهدافاً للوصول لاستجابات سلوكية غير عنيفة، وذلك من خلال توفير التدريب اللازم وتعليم الشباب بشكل فردي أو جماعي مهارات التحكم في الغضب ومهارات التفكير الإيجابي. أيضا يعمل البرنامج على توفير الدعم المعنوي المستمر للفرد حتى يتمكن من المتابعة والاستمرار في التفكير بشكل إيجابي والتحكم في نوبات غضبه.

البرنامج الآخر للتعامل مع الحالات السلوكية العنيفة هو ما يسمى ببرنامج «ضد التحيز». وينطلق هذا البرنامج من مبدأ أن الكراهية للآخر والتحيز ضده عادة ما تؤدي إلى ممارسة العنف تجاهه. فنحن لا نمارس العنف مع من نحب ونحترم إلا في بعض الحالات التي تعتبر مرضية.

هناك من الشباب من تكون لديه تحيزات ضد الشباب الآخرين، إما بسبب لونهم أو جنسهم أو عرقهم، وأحيانا بسبب سنهم. ويقوم هذا البرنامج في الأساس على أساس تعليم الأطفال وهم في سنواتهم العمرية الأولى ضرورة تقدير واحترام الاختلاف الإنساني.

وهذه مسألة توجد تعاليمها في ديننا الحنيف وذكرت في قرآننا الكريم في آيات مختلفة. إلا أننا نحتاج أحيانا لتدريب أطفالنا عليها بأساليب أخرى ومختلفة تساعدهم بشكل واقعي على اكتشاف الاختلاف والتشابه بين الجماعات المختلفة، مما قد يدعم ويعزز المفاهيم الدينية المجردة المتعلقة بالموضوع.

وهناك مجموعة من الخطوات العامة والرئيسية في هذا البرنامج: أول هذه الخطوات هي التأسيس لفهم الاختلاف والتشابه بين البشر خال من التحيز والتنميط، ومن ثم المحافظة على بيئة خالية من التحيز بين الأطفال تمكنهم من الشعور بالأمان وتعزز لديهم إحساساً قوياً بقيمتهم كبشر.

يلي ذلك تعليم الأطفال القيام بالأفعال الاجتماعية المعبرة عن العدالة والمساواة. وجدير بالذكر هنا أن الأطفال يطورون أفكاراً عن الهوية العرقية والخصائص التي تتميز بها الجماعات الثقافية الأخرى المختلفة عنهم وهم في السنة الثالثة من عمرهم، أي في سن مبكرة نوعا ما.

وتتكون هذه الأفكار لديهم من خلال مواقف ورأي الوالدين، أو من خلال التأثيرات البيئية المختلفة. وهذه الأفكار، التي تتشكل في الطفولة المبكرة عن الآخرين، هي القاعدة التي ينطلق منها هؤلاء الأطفال عندما يصلون سن الشباب في تعاملهم مع الآخر، إما بشكل متحيز أو بشكل فيه احترام وتقبل.

بناء عليه، يعتبر دور الأسرة هنا مهم وحاسم في تعزيز تقبل الأطفال للآخرين المختلفين عنهم في الثقافة أو العرق أو السن، والتعاون بين الأسرة والمدرسة هنا مهم أيضا، لأن المدرسة تكون جامعة لأطفال من خلفيات مختلفة، وتعتبر بيئة مثالية لتعزيز قيم تقبل الاختلاف واحترامه لدى الأطفال.

وأود أن أنوه هنا أن البرامج المضادة للتحيز لا تُعلم ولكنها تُعرف وتساعد على إدراك التحيزات وتشجع على تقبل فكرة أن كل واحد منا مختلف بشكل ما عن الآخر. كذلك تسعى هذه البرامج على مساعدة الأطفال على اكتشاف وبناء أفكار خاصة بهم عن الاختلافات الإنسانية بدون تدخلات مباشرة من الأهل أو المدرسة، ويتم ذلك مثلا من خلال لعب ادوار في بعض المسرحيات التي تصب في هذا الموضوع، أو من خلال قراءة القصص والكتب المختلفة التي تركز على ثقافات الشعوب واختلافاتهم.

بشكل عام البرامج ضد التحيز هذه تعتمد، لتحقيق أهدافها، على نموذجين علاجيين مهمين، وهما نموذج تعديل السلوك والنموذج السلوكي المعرفي. ويستخدم نموذج التعديل السلوكي من أجل تدريب الأطفال على إدراك تحيزاتهم ومحاولة تجاوزها حتى يحدث التغير في الاتجاهات بالشكل الإيجابي المطلوب.

أما النموذج السلوكي المعرفي فهو يعتمد على تغيير توجهات الأطفال وأفكارهم من خلال استخدام القيم والتعاليم الدينية، والتي عادة ما تقود إلى تغيير السلوكيات إلى منحى إيجابي وأكثر تقبلا للآخر.

نموذج التعديل السلوكي أثبت نجاحه مع الأطفال، أما النموذج السلوكي المعرفي فأثبت فعاليته ليس فقط مع الأطفال ولكن أيضا مع العاملين معهم من مربين ومدرسين. بشكل عام يركز البرنامج المضاد للتحيز على التأكيد على تقليل التحيزات المضادة والتمييز بين الجماعات المختلفة، كما يركز على تعليم الأطفال مهارات حل الصراعات، ومن ثم يمنع سلوكيات العنف.

لن أتمكن من إكمال الحديث عن النقاط الأخرى هنا بسبب ضيق المساحة، ولكن للحديث صلة بيننا إن شاء الله في الأسبوع القادم.

جامعة الامارات

albaharm@yahoo.com