التصعيد الدبلوماسي الأميركي المتنامي ضد إيران ربما يكون تفسيره هو التغطية على الفشل الأميركي في العراق. ولكن أغلب الظن ان إدارة بوش تريد اصطياد عدة طيور بحجر واحد.

خلال السنوات الثلاث الأخيرة كان محور الحملة الأميركية المتجددة أبدا ضد إيران هو البرنامج النووي الإيراني. الآن، ومنذ بضعة أسابيع فقط، يبدو أن واشنطن وضعت الملف النووي جانباً لتعيد فتح ملف التدخل الإيراني في المشهد العراقي.

وأحدث علامات التصعيد الأميركي في هذا السياق يتمثل في تحذير شديد اللهجة صدر عن وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس مفادة أن الولايات المتحدة لن تقف مكتوفة اليدين أمام ممارسات إيران لزعزعة الاستقرار في العراق.

ان التدخل الإيراني في العراق بشتى الأشكال والوسائل ليس أمراً جديداً. لكن لكي ندرك مغزى صدور تحذير رايس الآن، بعد أربع سنوات من الوجود الأميركي الاحتلالي في العراق وما ترافق معه من تدخل إيراني على خط موازٍ، فان علينا ان نستحضر في الأذهان ان تصريح الوزيرة الأميركية يتزامن مع خطاب الرئيس بوش الذي عرض فيه ما أسماه بالاستراتيجية الأميركية الجديدة نحو العراق. ففي ذلك الخطاب حمل بوش بصورة خاصة على إيران.

في مواجهة عاصفة نقدية على صعيد الكونغرس وعلى صعيد الرأي العام الأميركي اضطر الرئيس بوش إلى الاعتراف بفشل إدارته في العراق، مسميا هذا الفشل «خطأ»، لكنه في خطابه جنح إلى التنصل من هذا الفشل ليلقي بتبعته ومسؤوليته على جهات خارجية. فبينما اتهم حكومة المالكي في العراق بالتقصير الأمني، فانه اتهم إيران أيضاً بمساعدة «الإرهابيين» في البلاد.

على هذا النسق جاء تحذير رايس لطهران وكأنه امتداد لما ورد في خطاب رئيسها.

لكن تبرؤ الإدارة الأميركية من فشلها الفاضح ليس الهدف الأوحد من حملة أميركية أخذت تتصاعد ضد إيران. ذلك ان المقصود ايضاً من تسليط الانتباه على إيران يعني لفت الأنظار العربية بعيداً عن إسرائيل والقضية الفلسطينية. ففي الأسابيع الاخيرة كثفت الإدارة الأميركية من تحركها الدبلوماسي لإنشاء اصطفاف عربي ضد إيران، وكأنه أولوية النظام الرسمي العربي ينبغي أن تكون «الخطر» الإيراني عوضاً على الخطر الإسرائيلي.

لقد أخذت الإدارة الأميركية تتحدث مؤخراً عن «جبهة للمعتدلين ـ العرب» لتواجه «المتطرفين»، بمعنى خلق تجمع لأنظمة عربية تقوم أجندته على مواجهة سوريا وإيران وحزب الله وحماس. وجولة وزيرة الخارجية الأميركية في المنطقة هي جزء من التحرك الدبلوماسي الأميركي لتكوين جبهة «الاعتدال».

هذا التحرك يطرح تساؤلات من بينها الآتي:

اذا كان النشاط الإيراني داخل الساحة العراقية يعتبر في نظر واشنطن تدخلاً غير مشروع.. فماذا تسمي الوجود الاحتلالي الأميركي على أراضي العراق؟

من الإنصاف ان نقول ان الولايات المتحدة تتحرك من وحي مصالحها ومصالح شريكها الإسرائيلي. لكن الإنصاف يقتضي أيضاً أن نتساءل: هل يتعامل القادة العرب مع واشنطن انطلاقاً من اعتبارات المصالح الحيوية العربية؟