خلال نحو ستة أشهر شنّت الولايات المتحدة الأميركية حربين إقليميتين بالوكالة، الأولى كانت بواسطة إسرائيل ضد لبنان، وتحديداً ضد حزب الله، وانهزمت في هذه الحرب.. والثانية كانت ضد الصومال وبالأدق ضد المحاكم الإسلامية عبر إثيوبيا التي حققت انتصاراً سريعاً لم تحسم نهايته بعد.

وهاتان الحربان تعطيان مؤشراً قوياً لما آلت إليه السياسة الأميركية بعد الفشل المزري في العراق الذي خاضت فيه أميركا حربها مباشرة، وكذلك مع حالة التخبط التي تعانيها قواتها وحلفاؤها في أفغانستان، على أيدي طالبان.

إذ ثبت لواشنطن أن حجم التمرد الدولي أو العالمثالثي على سياساتها صار أكبر من قدراتها على التدخل المباشر، لذا أوكلت بعض المهام في مناطق التوتر الحيوية إلى وكلائها الإقليميين لتنفيذ سياساتها.

ويبدو أن هذا ما تتوقعه أميركا وتخطط له ضد إيران ليس فقط على صعيد إسرائيل ولكن أيضاً على مستوى دول أخرى لها مصلحة مباشرة في الجلوس على المائدة الأميركية الإسرائيلية لوضع الخطط والمشاركة فيها عبر الإمداد بالمعلومات الاستخبارية واللوجستية، لكن مشكلة أميركا وإسرائيل وحلفائها مع إيران ليست بتلك السهولة التي نجحت في الصومال أو نفذت في لبنان، إنها عملية معقدة قد تضرب المصالح الأميركية ذاتها في مقتل، وتنال كذلك من هيبتها ومن قدرات الوكلاء المعتمدين لشن الحرب.

وطوال سنوات ماضية احترفت القوى الكبرى خاصة الولايات المتحدة لعبة شن الحروب الإقليمية عبر الوسطاء، فكانت جنوب إفريقيا العنصرية ذات يوم وكيلها المعتمد في جنوب القارة الإفريقية وكثيراً ما شنت تلك الدولة العنصرية (قبل زوالها) حروباً ضد جاراتها الإفريقيات. ومن ذلك أيضاً كانت الحرب التي شنها العراق عام 1979 ضد إيران واستمرت لنحو عشر سنوات خرجت منها الدولتان منهكتان.

وقد أثبتت الحروب التي تشن بالوكالة أن غرور القوة عادة ما يدفع بالوكيل إلى قبول القيام بدوره لتحقيق ما عجز عنه من أهداف ظل يسعى وراءها لفترة طويلة، فتأتي أميركا لتبارك تلك الأهداف وتدفع بوكيلها إلى الحرب، وعندما يتورط الوكيل في حرب تستنزفه تتركه أميركا عادة يواجه مصيره منفرداً؛ خاصة إذا ما ثبت أن الطرف المستهدف من الحرب قادر على إطالة أمدها وإرهاق المعتدين وإزهاق أرواحهم، بل وتحويل الحرب إلى حرب عنصرية لا طائل من ورائها.

وربما يتوقف الدور الأميركي عند محاولة انتشال المعتدي من ورطته عبر قرارات دولية تحاول بها كسب نصر له، لكن هذه السياسة لا يتحقق لها النجاح دائماً، ومهما قيل عن الانتصار الإثيوبي في الصومال، فانه ليس سوى البداية لمسلسل طويل تمارس فيه المحاكم الإسلامية حرب العصابات وتلعب فيه إثيوبيا دور المنهزم طويل النفس، فإثيوبيا نفسها مهترئة من الداخل ومضعضعة اقتصادياً، ولن تنفع معها بضعة ملايين من الدولارات الأميركية.

ولذا فمثلما دفع العراق ثمن المحارب الإقليمي من ذاته واستقلاله واستقراره الداخلي، فان إثيوبيا مرشحة لدفع نفس الثمن ولو على مراحل، فيما تستنسخ هي مع واشنطن قتالاً طالبانياً في الصومال، لتحول الأكذوبة إلى حقيقة، وربما هذا ما دفع واشنطن إلى سرعة الكشف عن تورطها المباشر في تلك الحرب عبر شن غارات جوية على ما تزعم أنها أماكن لتنظيم القاعدة.

ان أكبر عدو لوكلاء الحروب الإقليمية هو ظنهم ان بالاستطاعة لعب أدوار تفوق قدراتهم، واعتقادهم أنهم بفعل الضوء الأخضر الأميركي قادرون على ارتكاب كل الآثام السياسية محلياً ودولياً، مهما كبرت أحجامهم أو صغرت، بزعم التقاء مصالحهم مع مصالح «الصديق» الأميركي.

وتلك الخطيئة تقع فيها الآن سلطة الرئيس محمود عباس ومساعده المقرب محمد دحلان، ففي قناعتهما ان إزاحة حماس كمطلب أميركي قد تمنحهم الحق في شن حرب داخلية، لذا فان أي حرب من هذا النوع لن تكون سوى امتداد لما يجري في المنطقة من حروب بداية من حرب إسرائيل ضد لبنان ووصولاً إلى حرب إثيوبيا ضد الصومال.

لكن الحكمة تفرض على الرئيس محمود عباس ألا ينجر وراء الإغراءات والمطامع الأميركية، لأنه مهما فعل لن يحظى بمكانة شارون أو بيريز أو أولمرت، فهم الوكلاء الحقيقيون والدائمون في المنطقة، وكل من سواهم مجرد لاعبين مؤقتين على مائدة قمار، وربما يجري لهم ما جرى لصدام حسين الذي كان يوماً وكيلاً لأميركا في المنطقة، فلما انتهى دوره قتلته عمداً بيد وكلائها الجدد في العراق، الذين سيشربون عاجلاً أو آجلاً من نفس الكأس.