نحتاج لوعي يجتث الثقافة السياسية السائدة التي حولتنا إلى قطيع من المتناحرين حيث تسيّس المنزل والمدرسة، والمكتبة والوظيفة والمسجد، وبحسب فهمنا للسياسة هي تدوين للأخطاء، ونصب المحاكم، وفرض الأحكام العرفية خوفاً من رأي، أو كتاب، ومع ولوجنا للفضاء والانترنت، تحولت السياسة إلى مضارب البادية، وقاعات الجامعات، والنقابات فكل يفتي لحزبه وقبيلته ومليشيات طائفته.

في الأيام القادمة ستتحول مطارات الدول العربية إلى حالات طوارئ لاستقبال رؤساء دول، ووزراء ومندوبين، والصيغة حل "مشكلة الشرق الأوسط" وبتعريف ساذج يقولون نأتي لندرس الآراء ونطلع على الملفات وأفكار الساسة، والنتيجة توديع حار لملفات باردة أي بيع الماء الجاري، بماء راكد وآسن.

لا نحتاج لقائمة زوار كل شهر وعام، لأن العلاقات الدولية تبنى على مصادر القوة التي افتقدناها مع أول نظام عسكري تعسفي، ولو نظرنا إلى كوريا الجنوبية وحجم السياسيين الذين يزورونها، رغم وجود خطر نووي من قسمها الشمالي، فإن الزوار يحملون قوائم اقتصادية، مستثمرين، أو أصحاب صفقات تبادلية، والأمر يتماشى مع الكثير من الدول التي لا تعتنق حماقات السياسة وتجيّرها لصالح العداوات، وفرز الهوية التي قسمت المجتمع العربي، وتعالت للعالم الإسلامي بفرقه، ومذاهبه في حالة السعير الكبير الذي يجتاحنا جميعاً.

قلنا إن المبادرات الأولى في نقل الكفاءة الحضارية الأوروبية، سبقنا بها اليابان وقبل أجزاء من أوروبا الغربية والشرقية، لكن العبرة ليست بالاحتكاك المبدئي، وإنما باستثمار النتائج، أي توليد الطاقات واستغلالها بالاتجاه الصحيح، وحين ندعو إلى محو الأمية السياسية فإننا نريد أن تحل البدائل بوعي أكثر اتجاهاً لمصالحنا، بمعنى أن زيادة في المحاصيل الزراعية والدواجن وبناء مصانع لهذا الناتج، سوف يوصلنا إلى إغلاق أحد أبواب الفقر والمجاعات.

وأيضاً لو حصلنا على ألف خريج في العلوم السياسية ينشرون علينا أمراضهم النفسية التي اكتسبوها من الأمراض العربية المحيطة، فكأننا نجنّدهم كفصيل للمرتزقة المحاربين أي أن هؤلاء سوف يكرسون الخلافات بدلاً من حل التناقضات، ولذلك رأينا أن مثقفي هذه الأمة البائسة من ماركسيين وقوميين وبعثيين، ثم من لحقهم من دعاة الإسلام المتطرف والمسيس، هم أكبر عبء على هذه الأمة لأنهم تناسوا الواجبات إلى التصعيد السياسي ونحن لا نحتاج إلى هذه الوجبات المسمومة التي صارت جزءا من منهج تعليمي وكتاب ثقافي، ليضيع في هذا المحفل الكبير العقلاء والحكماء.

لقد ذهب المصلحون وجاء المسيّسون حتى صرنا حقل تجارب للدول والأحزاب وكل من يريد استثمار غبائنا السياسي بالوعود، أو تجنيدنا للحروب، وكأننا فصيل منعزل عن الحضارة وأنوارها المشعة، ولهذا لم يأت رئيس دولة كبرى يقدم لنا سلسلة من المشاريع المدنية، بل بعض نفايات مستودعات أسلحته التي تقاتلنا بها في كل مكان على أرضنا، ولهم الشكر والامتنان بهذه العطايا السخية.