«في محنتنا الكبيرة، الكل أراد تفاديها، والجميع ارتعب من حصولها، ولكنها جاءت .. الحرب الأهلية» «أبراهام لنكولن»يحدث في مثل هذه الأيام، كثير من الأشياء، لكن حتماً، حتماً لن يحدث شيء آخر، فالتاريخ توقف هنا، لأننا مهما أطلقنا العنان لخيالنا، لن نجد ما هو جدير بالحصول. لأننا لن نجد ما هو مرعب وأسوأ. ولن تمر بنا لحظات قلقة أبداً، لأننا دخلنا منطقة الخوف والذعر.

التاريخ البشري مليء بالحروب الأهلية الدموية التي أثرت على الكثير من الدول. من الحرب الأهلية الروسية إلى الحروب الأهلية الأخرى في بلاد العٌرب أوطاني.

الخبير الروسي نيكالاي مريناف يرى أن: «التعريف النموذجي للحرب الأهلية، صارم ويتصف أوصافا أساسية عدة، لا غنى عنها لكي تدفع إلى الإشارة إلى هذه الحرب، بكونها أهلية وليست نوعاً من الحزازات الاجتماعية والصراعات المسلحة الإثنية والمذهبية والاجتماعية.

هذه السجالات هي جزء مهم من الكمية الكبيرة من المواد الخام في السلوكيات العنفية، أو ردود الأفعال النوعية في مسلسلات الموت المتواترة. ولكي يعرض نظرته الشمولية بخصوص إمكانية انفجار الحرب الأهلية أو آفاق نهايتها، وضمن آلية مسيرتها الخاصة بالتجربة الملموسة.

في كل حالة، كان هناك معسكران محددان. لكل منهما نفس القوة في بداية النزاع. وفي كل حالة يمكن لكل معسكر أن يدعي لنفسه نوعا من الشرعية، قائمة على التأييد الشعبي. وفي كل حالة تختار قوى خارجية، وحركات، وحتى أفراد، الطرف الذي يقفون إلى جانبه.

العنف وحب الدم لا يأتيان من فراغ، فهما ثقافة رسمية بالدرجة الأولى تزرعها إسرائيل، ويقطف ثمارها تجار السلاح التي لا تزدهر تجارتهم، إلا على حساب أنين وآهات الشعب الفلسطيني الجائع، وعذابهم الذي لا ينتهي مع صمت الكلاشينكوف. فحين تمتزج الأمور ببعضها، فإن حمرة الدم تصبغ يد الجاني، كما تصبغ جرح الضحية.

يرى اليوم أن هناك من يريد تهيئة الشعب الفلسطيني المسكين نفسيا، وبعد ذلك يفرض عليه، ويزجه في دوامة الصراعات، والسجالات والانقسامات السياسية وحرب العصابات اليومية، وصولا إلى كارثة إشعال الحرب الأهلية في أرض الإسراء والمعراج.

سيمفونية الحرب الأهلية في فلسطين تعزف. صمتا، أو، همسا. سرا وعلانية، يلحن مقاطعها أحلام وكوابيس الفلسطينيون الجدد. إنها طبول الحرب الأهلية تقرع، وإن لم نسمع أصداءها بعد، لكن يشتم رائحة بارودها، القادم إلينا عبر سحب الأثير، ومنابر سوداء، ملبدة بالأحقاد.

ما أحوج الشعب الفلسطيني إلى طارق بن زياد، قبل حاجته إلى المنابر، عندما قال لجنوده وحينها أحرق الأسطول: البحر من خلفكم والعدو من أمامكم فلا مفر.فلا تكونوا أيها المفاوضون الأشاوس على فلسطين،عنيدين حتى الخراب. فاصقلوا أنفسكم قبل تُصقلوا.

سيمفونية الحرب تعزف ألحانها بسرعة، يسمع صداها في التصريحات والصراخ الصامت. فأين باقي التنظيمات والحركات منها وما موقفهم؟

صحيح أن هناك من يدفع باتجاه نشوب حرب أهلية في فلسطين، وتبادل الاتهامات العدوانية بين بعض المنظمات المختلفة، وانتشار الميليشيات المسلحة التابعة لهذا الطرف أو ذاك، كل هذه وغيرها من الأساليب تصب في طاحونة هؤلاء دعاة الحرب الأهلية.

ولكن يجب القول، أن كل هذه الأساليب العدوانية هذه، سترتد عليهم حتما. لأن وحدة الفلسطينيين الوطنية ولحمتهم الأخوية ستقف بوجههم مهما حاولوا النيل منها، أو دخلوا من هذه الثغرة الرخوة اليوم ستسد في وجهكم غدا، لأن الشعوب هي التي ستقرر طريقة حياتها وشكل نظامها السياسي الاجتماعي التي تريد.

فإلى من يريد أن يعزف على أوتار الحرب الأهلية في فلسطين، فعليه أن يفهم بأن الشعب الفلسطيني بكل تنظيماته المتنوعة والمتداخلة، والتي تجسدها الكثير من البيوت الفلسطينية، حيث نجد في البيت الفلسطيني الواحد، أكثر من شخص ينتمي إلى تلك الحركة أو ذلك التنظيم، وهذا هو التجسيد الحقيقي للوحدة الوطنية الفلسطينية. يمكن القول لمن يريد أن يقرع طبول الحرب والدمار، فأن أصوات منابركم ستختفي، أما أصوات طبول السلام والمحبة والتآخي ستسمع في كل أنحاء فلسطين.

وإذا اتفق، على أن الجلوس بانتظار أوسلو ثانية محملة على ظهور الصقور الجدد، وهو خيار من خيارات الموتى، فسنتفق أن المنابر والسجالات العدوانية، والجلوس والانتظار. بحد ذاته يقارب آفاق الجثث.