بعد مرور نحو أربع سنوات على غزو العراق وإعلان انتهاء العمليات الحربية فيه إيذاناً بتحقيق النصر كما ورد في خطاب للرئيس الأميركي بعد أيام من سقوط بغداد، يخرج علينا الرئيس الأميركي اليوم مجدداً باستراتيجية جديدة رأس الحربة فيها محاولة السيطرة على الأمن في بغداد، وذلك من خلال إضافة نحو 21 ألف مقاتل أميركي جديد، لا بد أن مهمتهم الرئيسية ستكون مواجهة الميلشيات التي تتحكم بالعاصمة وصناعة القرار في العراق ما عدا المنطقة الخضراء.
إنجاز كبير وكبير جداً، يحق للديمقراطيين فعلاً أن يحملوه لسياسة الغطرسة والعجرفة وعدم الأهلية، التي تميزت بها إدارة الرئيس بوش للعراق كما وصفتها النائبة هيلاري كلينتون.
ليس فقط لم يعد النصر ممكناً في العراق، بل بات بوش مخيراً بين أمرين أحلاهما مر كما يقول المثل فإما أن يستمع إلى نصائح لجنة بيكر ـ هاميلتون الخاصة بالعراق والتي رسمت له خريطة طريق الانسحاب المشرف بأقل التكاليف والأثمان الإضافية، أو الاستمرار بالاستماع إلى نصائح المحافظين الجدد الذين يأسرون قراره منذ اليوم الأول.
وهي نصائح لجنة فريدريك كاغان وجاك كايان حول العراق أيضاً والتي توصيه بعكس اللجنة الأولى من حيث الأسلوب لكنها تريد إيصاله إلى نفس النتائج بعد أن تراجعت طموحات أباطرة المحافظين الجدد للعراق من تحقيق الديمقراطية إلى مواجهة النفوذين الإيراني والسوري والسيطرة على شوارع بغداد.
وقد قرر بوش بحسب خطابه للاستراتيجية الجديدة للعراق الاستماع إلى حوارييه مستنكفاً الإذعان لنصائح بيكر ـ هاميلتون ولو مؤقتاً.
ثمة سياسة رديفة يقترحها المحافظون الجدد للرئيس بوش وهو سيعمل بها كما جاء في خطابه وكما ستبلغها رئيسة الدبلوماسية الأميركية في جولتها المرتقبة للمنطقة إلى أصحاب القرار في بلداننا، ألا وهي محاولة تشكيل حلف معتدل مقابل الراديكاليين في المنطقة.
وكما تود وترغب واشنطن فإن هذا الحلف المفترض ينبغي أن يشمل إسرائيل وبعض الدول العربية التي تعتبرها واشنطن مصداقاً لهذا الاعتدال، وأن تكون مهمته مواجهة النفوذين الإيراني والسوري، وتفكيك المنظمات المسماة ب«الإرهابية» أو تشوبها صفة الإرهاب.
وأخيراً وليس آخراً فإن بوش يحذر هذه الدول بل يهددها بأن سقوط أميركا وفشلها في العراق يعني تهديداً مباشراً لهذه الدول.
وهنا ثمة من يتذكر الفترة الأخيرة من حرب فيتنام عندما لجأت واشنطن إلى ما سمي وقتها بسياسة «الفتنمة» والتي تضمنت فيما تضمنته يومها تجييش مشاعر خطر الحرب الأهلية عبر تسليح الجنوب الفيتنامي وإيكاله بمهمات ضد فيتنام الشمالية من جهة وتعبئة دول الجوار الفيتنامي (عدا الصين والاتحاد السوفييتي طبعاً) ضد بؤرة التمرد الفيتنامي آنذاك.
والسؤال المطروح الآن هو لمصلحة من كل هذا التجييش الطائفي والأهلي سواء من خلال الميليشيات التي هي من صناعة الاحتلال أو من خلال استقدام البشمركة الكردية للإحاطة ببغداد كما ورد من أنباء حول الخطة الاستراتيجية الجديدة، ولمصلحة من كل هذا التجييش المذهبي والإقليمي الجاري حول إيران وخطر نفوذها الإقليمي.
ليس ثمة عاقل في المنطقة كلها يقبل بمزيد من الآلام للشعب العراقي ولا بمزيد من الحروب والكوارث لهذه المنطقة أو يقبل بإيقاظ فتن مذهبية أو طائفية أو عرقية نعتقد جميعاً أن عصرها قد ولى في ظل الوعي والرشد والصحوة التي تعيشها أمتنا، كما يفترض، ما سمعناه قبل أيام من وزير خارجية دولة الإمارات العربية الشقيقة في هذا السياق أثناء زيارة له لطهران يؤكد هذا المعنى بكل قوة.
إن سياسة بوش «الجديدة» للعراق لا تحمل جديداً للأسف الشديد، كل ما هنالك أنه استبدل شعار «الديمقراطية» للعراق بشعار «الأمن» لبغداد، وهذا بحد ذاته يعتبر تراجعاً ونكسة لاستراتيجيته المعلنة للمنطقة كلها والتي عبر عنها تحت مسميات مختلفة خلال السنوات الأربع المنصرمة.
ثمة من يتخوف كذلك بان تؤدي هذه الإستراتيجية الجديدة إلى مزيد من الصراعات الداخلية بين الشيعة والشيعة كما يتسرب من بعض المصادر التي تقول بان معركة ما سيتم فتحها مع جيش المهدي يتولى قيادتها ميليشيا عراقية! وبين السنة والسنة خلال افتعال معارك بين فصائل مقاومة مسلحة يقال إنه يراد استدراجها إلى معسكر «المعتدلين» ضد فصائل أخرى سيتم وصمها بالمتمردة والخارجة على القانون والمعطلة للعملية السياسية والخطة الجديدة.
إنها مرة أخرى سياسة تقسيمية فاشلة يا سيادة رئيس أكبر دولة عظمى فشلت في فيتنام ولابد انها ستفشل في العراق، لأن المشكلة ليست في العراقيين تماماً كما لم تكن في الفيتناميين.
ها هو السيناريو سيتكرر أمامك في الصومال، اسمع ماذا يقول لك الديمقراطيون والاتحاد الأوروبي هناك، يقولون: إنك بقتلك ثمانية من المطلوبين من القاعدة أو غير القاعدة عن طريق القصف الجوي ستولد منهم المزيد، لماذا؟ لأن العنف يجلب العنف، ولأن الظلم والاستبداد بالرأي يجلب المقاومة ولأن الاحتلال والتعدي على سيادة الآخرين والتدخل في شؤونهم يخلق نواتات لقيام حركة تحرر تتوسع مع الأيام لتشمل حتى الذين يؤازرون الظلم أو الاستبداد في الأيام الأولى!
أليست هذه هي حال بعض الجمهوريين لديك وليس فقط الديمقراطيين والعراقيين والعرب والمسلمين، لماذا إلقاء اللوم على الخارج الإقليمي والحدود الإيرانية والسورية؟
طبعاً ثمة من يجادل هنا ويقول إنك تهاجم وتزيد القوات وتبرز العصا الغليظة للمناورة لفترة وجيزة من أجل فتح ثغرات جدية في جدار عدم الثقة المتبادل بينك وبين خصومك داخل العراق وفي محيطه الإقليمي من أجل التفاوض بالتالي على «انسحاب مشرف» يخشى البعض أن يكون متأخراً غداً لأن الوقت قد لا يسعفك ولا يسعف أصدقاءك .
ومنهم من سيغادرك بعد الشهر مثل بلير وشيراك، أليس من الأجدى اختصار المسافة إذن والاستماع إلى نصائح مستشاري والدك (بيكر ـ هاملتون)، وان كانت في الواقع لا تقدم شيئاً يذكر للعراقيين أصحاب الشأن الحقيقي، لكنها من وجهة نظر أميركية قومية على الأقل هي أقرب للعقل والمنطق من نصائح خاطفي قرارك من المحافظين الجدد.
كاتب إيراني