فجأة بدا وكأن الساحة الفلسطينية هبت عليها رياح واعدة بالانفراج. أو على الأقل بالحلحلة ووقف التدهور. أوحت بذلك التحركات وما يرافقها من انفتاح ومرونة في الخطاب. والملفت أن ذلك يأتي في أعقاب ارتفاع درجة التأزيم والتوتر إلى حدود غير مسبوقة بين السلطة والحكومة وفريق كل منهما. كما يأتي عشية وصول الوزيرة رايس إلى القدس ورام الله، ما تستوقف فيه السرعة.

وأيضاً درجة الانعطاف. لقاءات فلسطينية على أعلى المستويات باتت محتملة بل مرجحة ـ بين الرئيس عباس وخالد مشعل في دمشق ـ. مبادرات جديدة طرحت ـ رئيس الحكومة هنية ـ في إطار الدعوة للاستدراك وتصحيح المسيرة الوطنية الفلسطينية، طبعاً هو حراك اقتضته اعتبارات وحسابات سياسية، مرتبطة باللحظة الراهنة ومعطياتها واحتمالاتها؛ فلسطينياً وإقليميا.

وهي دواعٍ ومصالح مشروعة. المهم أن تصب في مجرى تحصين الوضع الفلسطيني ورده من على حافة الهاوية. والأهم أن يكون العزم قد انعقد لترجمتها على الأرض ومن دون خسارة وقت، فهنا الاختبار الذي ينتظرها. وعلى أساسه يصدر الحكم عليها.

المسارعة في محاولة ترتيب البيت الفلسطيني ووقف التصدع الخطير فيه. عدا عن أنها باتت ضرورة ضاغطة لا بديل عنها؛ تأتي أيضاً في التوقيت المناسب. فالوزيرة رايس نَسب إليها بأنها «تحمل أفكاراً مهمة وجديدة» ستعرضها على الجانب الفلسطيني اليوم ـ الأحد ـ!

قياساً على السوابق، ليس في ذلك ما يطمئن. لقد جرت العادة ألا تأتي وزيرة خارجية واشنطن إلى المنطقة ـ وبالتحديد الشق المتعلق من زيارتها بالقضية الفلسطينية ـ إلا وفي جيبها واحد من اثنين: إما وصفة ترقيعية لشراء الوقت، وإما حقن تخديرية جديدة. وهذه المرة لن تكون خروجاً على القاعدة، خاصة وأن الساحة الفلسطينية في أسوأ حالاتها داخلياً.

وبالتالي فإن التحرك باتجاه لملمة هذا الوضع ولجم اندفاعه نحو المزيد من التمزق، ربما يساعد في التخفيف من توظيف نزفه وبالتالي من استباحته. لاسيما وأن الوزيرة رايس تأتي هذه المرة إلى المنطقة لتسويق حلقة هجومية جديدة من سياسة الرئيس بوش، التي كشف قبل أيام عن خطوطها الرئيسية، تجاه العراق والجوار. وقد تردد أن الجديد الذي وعدت به ربما كان عرض «دولة مؤقتة» على الفلسطينيين، مسارعة الرئيس عباس إلى رفض الفكرة سلفاً، يخدم مثل هذه اللملمة.

أيضاً خطاب رئيس الحكومة اسماعيل هنية أمس الذي دعا فيه إلى «وقف كل أشكال الصدام وحرب الاتهامات فوراً، مع الدعوة إلى استئناف الحوار لتشكيل حكومة وحدة وطنية»، جاء أيضاً هو الآخر في وقته، وكان في كلمته إشارة ملفتة إلى العراقيل التي منعت الحوار السابق، من التوصل إلى خواتمه المنشودة، وذلك بصيغة أوحت بأنه كان يمارس النقد الذاتي، في هذا الخصوص.

وبالرغم من بؤس الأجواء التي سادت الساحة الفلسطينية مؤخراً، وعمق الخيبة التي تركتها، فإن الحراك الذي بدأ يتبلور فتح كوّة من الأمل مجدداً، بإمكانية طي صفحة التدهور الداخلي. لكن الحركة كالخطاب والمبادرات تبقى مرهونة بمدى الرغبة والقدرة على التنفيذ. فالوحدة الوطنية الفلسطينية شبعت من التغنّي بها، هي تعاني من جوع عتيق لخبز الترجمة.