علقت استراتيجية الرئيس الأميركي جورج بوش بشأن العراق، فرص نجاحها وفشلها على الحكومة العراقية برئاسة نوري المالكي، وعلى طريقة وضع الجرس في رقبة القط، حذرت واشنطن من إعادة النظر في تلك الاستراتيجية التي تجاهلت كافة النصائح من خارج الدائرة الضيقة المحيطة ببوش، في حالة اخفق المالكي في محاربة العنف المذهبي الذي خرجت من عباءته فرق الموت وميلشيات القتل على الهوية، وهو استباق لإحساس دفين بان خطة التصعيد العسكري الأميركي ربما تقع في نفس البئر التي قبرت فيها استراتيجيات سابقة.
فبعد اقل من 24 ساعة على إعلان بوش خطته التي طال انتظارها، وقفت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ لتؤكد ان حكومة المالكي تعرف أنها تجاوزت المهلة التي منحت لها لحل مشكلات العنف.
وبدوره حذر وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتيس من ان الولايات المتحدة سوف تعيد النظر بخطة إرسال أكثر من 20 ألف جندي إضافي إلى العراق في حال لم يحترم القادة العراقيون تعهداتهم. وهذه التحذيرات غير منقطعة الصلة عن تشكك أعضاء في مجلس الشيوخ الأميركي في قدرة المالكي وضع حد لأعمال العنف الطائفي في العراق.
إذن نحن إزاء خطة من التحذيرات والتشكك أكثر منها لإنقاذ وضع وان أصر بوش على تحقيق النصر الذي فشل في تحقيقه رغم مرور ما يقرب من أربع سنوات على الغزو الأميركي للعراق، والسؤال، أي نصر هذا الذي تعجز اكبر قوة في العالم عن تحقيقه خلال كل هذه المدة، قبل ان تلقي بتبعية الأمر كله على حكومة عراقية تتنازعها الخلافات المذهبية والعرقية، ولا تملك من أمرها شيئا من دون رأي واشنطن؟.
لقد كان أمام الإدارة الأميركية جملة من الخيارات التي وضعتها لجنة بيكر هاملتون للخروج من المستنقع العراقي، غير ان بوش فضل المضي في عكس الطريق الذي وضعته هذه اللجنة التي طالبت بسحب القوات المقاتلة من العراق بحلول 2008، فاختار الرئيس الأميركي زيادة عدد جنوده بذات الرقم وليس سحبهم. أوصت اللجنة بالتركيز على الحلول السياسية والدبلوماسية، لكن البيت الأبيض فضل التصعيد الأمني واعتماد القوة وكأن 20 ألف جندي إضافي والقوات العراقية التي لم تتلق التدريب الكافي، يمكن ان ينجزوا المهمة بهذه السهولة.
الواقع الميداني العراقي الصعب بات معلوما للقاصي والداني، فهل ينفع التصعيد الأمني وحده في إنهاء العنف الذي يحصد أرواح أكثر من مئة عراقي يوميا ناهيك عن شل الحياة في بعض القطاعات وفي مقدمتها قطاع التعليم بعد أن أضر مئات الآلاف من الطلاب والأساتذة إلى هجر مدارسهم خشية الموت المجاني.
لقد حاولت استراتيجية بوش استنهاض الدول العربية لمساندته في تحقيق نصره هو، رغم انه لم يعبأ بآراء تلك الدول عندما مضى إلى ساحة الوغى مع حليفة البريطاني توني بلير، ومن دون غطاء دولي شرعي. واليوم عندما يلوّح بالمخاطر التي تنتظر الدول العربية المجاورة للعراق في حال فشل استراتيجيته، نكون إزاء نظرة براجماتية مكشوفة، ولا تحتاج إلى اجتهاد لمعرفة أهدافها.
بوش اختار في استراتيجيته الجديدة المضي وحيدا، مثلما تحد العالم كله بغزو العراق، وعليه أن يتحمل نتائج رفضه لنصائح لجنة بيكر ـ هملتون، والمعارضة الداخلية الأميركية التي يقودها الديمقراطيون الذين يهيمنون الآن على مجلسي الكونغرس، وبدلا من إلقاء تبعات نجاح خطته أو فشلها على حكومة المالكي بشكل صريح، والدول العربية بطرف خفي، على بوش ان يتحلى بشجاعة اكبر وان يتحمل نجاح أو فشل ما أقدم عليه وحده ومن دون إشراك الآخرين، فمقدمات نتائجها ربما معروفة سلفا، لأن الوضع العراقي دخل مرحلة أكثر تعقيدا مما يظن البيت الأبيض.