إدارة بوش تستنكف عن التحدث مع قادة إيران بشأن معالجة الوضع في العراق. لكنها في الوقت نفسه ترتبط بتحالف استراتيجي مع قادة الشيعة العراقيين الموالين لطهران.العراق بات خاضعاً لنظام حكم شيعي تدعمه القوة الاحتلالية الأميركية. والهدف المشترك هو القضاء على الجماعات والتنظيمات التي تناهض الاحتلال.

ولكن مع الإقرار بهذه الحقيقة المركبة ينبغي علينا تجنب قراءتها من منظور تبسيط قد يكون مخلاً. فبينما تخوض الميليشيات الشيعية الحرب الدائرة بأجندة طائفية فإن القوات الأميركية المتحالفة معها تسترشد في قتالها بأجندة جيو ـ سياسية. أما جماعات المقاومة ضد الاحتلال الأميركي فليس بالضرورة أنها تخوض الحرب لاعتبارات طائفية بسبب أنها في الغالب سنية الانتماء. ذلك أن مناهضة احتلال أجنبي تنشأ عن مشاعر وطنية أو قومية قبل أي اعتبار آخر.

هذه الحقيقة المركبة التي لا تخلو من تعقيد هي في تقديري المقاربة الصحيحة في ما أطلق عليه الرئيس بوش «الاستراتيجية الأميركية الجديدة» تجاه العراق. ولو اعتمدنا هذه المقاربة فإننا سنكتشف من الوهلة الأولى أن الاستراتيجية الجديدة ليست جديدة، رغم ما سبق إعلانها من زخم إعلامي تمهيدي.

على هذا النحو جاءت استراتيجية بوش كتأكيد على طبيعة المشهد السائد في العراق: التقاء سياسي وميداني بين الولايات المتحدة وقيادات شيعية موالية لإيران من أجل تصفية المقاومة المسلحة ضد الاحتلال.

وإن كانت الاستراتيجية «الجديدة» تشتمل على أي شيء يمكن اعتباره عنصراً جديداً نسبياً فهو قرار الرئيس الأميركي تعزيز الاحتلال العسكري بإرسال قوة إضافية إلى العراق من 20 ألف جندي أميركي.

هنا لابد أن نتوقف قليلاً لنتأمل المغزى، فإرسال القوة الإضافية يعني بالضرورة أن الهزائم الأميركية على أيدي المقاومة تتعاظم. ومما يؤكد على هذا المغزى أن خُمس هذه القوة الإضافية قد خصص لمحافظة الأنبار وحدها، فهي أشد بؤر المقاومة سخونة.

أما المغزى الأعظم فهو أن القوات الاحتلالية الأميركية ستوسع من مشاركتها في عمليات التطهير العنصري التي تمارسها الميليشيات الشيعية، وخاصة «لواء بدر» التابعة للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق بزعامة عبدالعزيز الحكيم ـ أشد زعامات الشيعة الميدانيين ولاءً لإيران.

وكما جرت العادة فإن خطاب الرئيس بوش الذي قدم من خلاله الخطوط العامة لاستراتيجيته لم يخل من استخفاف بعقول السامعين. فقد قال أولاً إن زيادة عديد القوات الأميركية ستؤدي إلى ارتفاع عملياتها «ضد العناصر الإيرانية»، وكأن القيادات الشيعية التي تتحالف معها الولايات المتحدة غير موالية لإيران.

وقال ثانياً إن التحالف الأميركي ـ الشيعي «سيعزز الجهود» لمواجهة النفوذ الإيراني.أما النكتة الأعظم فهي قول الرئيس بوش إنه «يتوقع» من حكومة المالكي «تطبيق إصلاحات سياسية» بهدف الحصول على الدعم من العراقيين السنة.

ونستطيع أن نتخيل ما يمكن أن يقوله المالكي للرئيس الأميركي: نعم.. سنفكر في الإصلاحات، ولكن ليس قبل أن تفرغ ميليشياتنا وقواتكم من عمليات القتل الجماعي والتطهير العنصري والتهجير القسري لعائلات العراقيين السُنة في بغداد، على الأقل!