تولت ألمانيا في مطلع هذا العام الرئاسة النصف سنوية للاتحاد الأوروبي وتولت في الوقت ذاته الرئاسة السنوية لمجموعة الدول الصناعية الثماني. تأتي هذه الرئاسة المزدوجة في وقت تشهد فيه أوروبا انشغال الكبيران الآخران، فرنسا وبريطانيا بالتغييرات الداخلية عند كل منهما عشية الانتخابات الرئاسية الفرنسية وانتقال السلطة من توني بلير الى جوردن براون في بريطانيا مما يترك ألمانيا شبه وحيدة في «الهم الأوروبي» .

وفي بيئة تشهد استقبال عضوين جديدين، بلغاريا ورومانيا، وما يترتب على ذلك من زيادة تعقيد دائرة صنع القرار المعقدة أساسا وازدياد أهمية المسائل الجيو استراتيجية للبحر الأسود على الأجندة الأوروبية. وتتطلع المانيا حولها لتجد أوروبا محاطة بحزام من الأزمات المتراوحة الحدة بين الشرق الأوروبي والجنوب الإفريقي والشرق أوسطي.

الائتلاف الحاكم الذي يجمع بين الديمقراطية المسيحية والديمقراطية الاجتماعية يعكس توازنا دقيقا بين اتجاهين أساسيين في السياسة الألمانية: أطلسي تعبر عنه المستشارة انجيلا ميركل واوروبي يعبر عنه وزير الخارجية فرانك والتر ستايسمير.

توازن لا يخفي أحيانا بعض التباينات الممسوكة ويميل بالطبع لمصلحة الطرف الأكبر، الديمقراطي المسيحي. ميركل تعتبر انه يجب إطلاق مشروعين متوازيين بشأن خيارين استراتيجيين متكاملين: تعزيز الشراكة الأوروبية مع واشنطن وإعادة إحياء عملية البناء الأوروبي التي توقفت مع الاستفتاء السلبي على مشروع الدستور الأوروبي في فرنسا في مايو2005.

الزيارة الأولى لميركل بعد تولي الرئاسة الأوروبية كانت لواشنطن الأمر الذي يؤكد على تميز العلاقات مع الإدارة الأميركية. ميركل «الأوروبية» طرحت أفكارا لتعميق الحوار الاستراتيجي الأطلسي وتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري والمالي بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي باعتبار ان أوروبا تقوى بقدر ما تكون على علاقة قوية مع واشنطن.

وفي حركة متوازنة قام وزير خارجيتها في نهاية العام الماضي بزيارة موسكو للتأكيد على خصوصية العلاقات مع برلين وللتشاور في الملفات التي تهم الرئاسة الأوروبية وموسكو وهي ملفات عديدة من تأمين إمدادات الطاقة الى النووي الإيراني. ميركل التي تحظى سياستها الأطلسية بدعم شعبي واسع تريد ايضا،كما صرحت في واشنطن، توثيق التعاون الاقتصادي الأطلسي لزيادة قدرة أوروبا على منافسة الإقتصادات الآسيوية.

برلين لجأت إلى أسلوب جديد لتعزيز وظيفة ودور الرئاسة الأوروبية من خلال إحداث آلية للتنسيق والتعاون مع الرئاستين اللاحقتين، البرتغال وسلوفينيا، وهي صيغة يسميها وزير الخارجية بالثلاثي الرئاسي.

الثقل الاقتصادي الألماني وخاصة على ضوء إعادة انطلاق الاقتصاد الألماني مع الزيادة الكبيرة في الصادرات التي حققت 156 مليار يورو من الفائق التجاري في الأشهر العشرة الأولى من عام 2006 والتي أدت الى قفزة في نسبة النمو وصلت الـ 7,2% والى هبوط نسبة البطالة والى كون المانيا صارت الأولى في إصدار براءات الاختراع في أوروبا كلها عناصر تعزز ورقة الدبلوماسية الاقتصادية الألمانية وهي تتربع على الرئاسة.

ألمانيا ميركل أيضا تختلف مع فرنسا التي تركز دائما على الدور التقليدي للقاطرة الثنائية الألمانية الفرنسية في الاتحاد الأوروبي وترى ألمانيا ان هذه القاطرة يجب ان تضم دولا خمس او ست تعبيرا عن الوضع الأوروبي الجديد وهيكل القوة الذي نشأ بعد عملية التوسيع عام 2004. وتختلف ألمانيا أيضا مع فرنسا في أنها تدعو الى مزيد من الاندماج السياسي الأوروبي.

ففي حين يركز الخطاب الرسمي الفرنسي على البناء الأوروبي يركز الخطاب الألماني على توحيد أوروبا معطيا وزنا خاصا للمجتمعات المدنية والهياكل الاقتصادية في هذه العملية ورافعا سقف طموحاته لإعادة إنجاح الدستور الأوروبي الطموح جدا على الأقل في الظروف الراهنة مقابل الكلام الفرنسي عن «أوروبا المشاريع» كبديل ولو مرحلي عن الدستور الأوروبي المعطل. مسائل أساسية على الأجندة الأوروبية لألمانيا الذي سيجري الاحتفال بالعيد الخمسين لإنشاء الاتحاد الأوروبي (اتفاقية روما) في مارس المقبل تحت رئاستها وهي تريد ان تعطي معنى أكثر من احتفالي لهذه المناسبة.

عدد من المسائل الأساسية تطرحها ألمانيا على أجندتها الرئاسية. فهنالك أولا اهتمام خاص بإعادة تنشيط عملية التسوية في الشرق الأوسط من خلال إعادة تحريك دور الرباعية في هذا الإطار. وإذ تحفظت ألمانيا بالأمس على مبادرة السلام الثلاثية الأوروبية «المتوسطية» التي أطلقتها فرنسا وأسبانيا وايطاليا باعتبار انه كان يجب التداول أوروبيا ثم مع واشنطن في هذا الأمر لتحفظها على كل ما يبدو وكأنه منافسة دبلوماسية غير مجدية مع واشنطن لكن الموقف الألماني.

فيما يتعلق بمضمون عملية التسوية اقرب إلى الموقف الأوروبي المتوسطي ولو ان المقاربة تبقى أطلسية النزعة وتصب عمليا في مصلحة السياسة الأمريكية باعتبار ان دبلوماسية الدعوات والإعلانات لا تقدم الكثير في هذه المرحلة كما ان المانيا مهتمة ثانيا بالملف الشرق أوسطي المشتعل الآخر .

وهو ملف العلاقات مع إيران بحكم تميز علاقاتها مع إيران، التي تشوبها أحيانا بعض التوترات، مقارنة مع الأوروبيين الآخرين وهو تميز عكسه وجود برلين بالأمس في إطار الثلاثي الأوروبي الذي كان «يتحدث» مع إيران في حين ان الأخيرة كانت تريد التفاوض مع واشنطن.

وينعكس أيضا في ان المانيا هي الدولة الوحيدة غير العضو الدائم بمجلس الأمن التي تشارك مع الخمس الآخرين في بلورة الموقف «الدولي» تجاه إيران. ثالث المسائل الأساسية يتعلق بما ستحاول ان تقوم به المانيا لبلورة شراكة أوروبية روسية في مجال الطاقة في ظل تأزم العلاقات الروسية مع بعض دول الجوار.

والذي يظهر كم ان هذا التأزم يؤثر سلبا على امن الطاقة في أوروبا. فألمانيا تدعو «لحوار طاقة» مع روسيا في إطار بلورة سياسة أوروبية دولية للطاقة ولألمانيا ميزة خاصة في بلورة هذه السياسة كونها أكبر شريك تجاري أوروبي لروسيا. رابعا، ملف ساخن يطرح ذاته بقوة على الرئاسة الألمانية وله بسبب التاريخ والجغرافيا خاصية ألمانية وهو ملف استقلال كوسوفو وما يثيره من مشاكل مع الصرب وربما ما قد يثيره من مشاكل مع روسيا الاتحادية.

وستحاول المانيا عبر موقعها الأوروبي بلورة عملية سياسية انتقالية غير حاملة للتوتر قدر الإمكان ومطمئنة للأطراف المتخوفة من استقلال كوسوفو. ملف خامس تهتم به المانيا الأوروبية ويتعلق ببلورة «سياسة جوار» مع جيرانها في الشرق أسوة بالعلاقات الخاصة التي تربط أوروبا المتوسطية ومعها أوروبا بالجوار المتوسطي .

ألمانيا تريد من خلال رئاستها التحضير لبلورة علاقات خاصة مع الدول الأوروبية الشرقية وبعضها الذي قد ولد من رحم سقوط الاتحاد السوفييتي، علاقات بديلة عن الانضمام شبه المستحيل وغير المرغوب به للاتحاد الأوروبي يعطي لهذه الدول إطارا تعاونيا خاصا وناظما لعلاقاتها الأوروبية.

جدول أعمال كبير معقد ويتطلب الكثير من الإمكانات الالمانية ولكن يتطلب أيضا الكثير من الدبلوماسية الخلاقة من اجل إطلاق القطار الأوروبي شبه المتوقف من المحطة الألمانية.

كاتب لبناني