رد الفعل العربي علي ما حدث ويحدث في الصومال لا يعكس فقط أوضاع القطر الشقيق الغارق في الفوضى والدماء منذ عقود، ولكنه يكشف أيضا عمق المأساة التي أصبح العرب يواجهونها حيث شبح «الصوملة» يهدد الجميع، فمنهم من «تصومل» بالفعل ومنهم من ينتظر.
وحيث تبدو الآثار الجلية للعقيدة الصهيونية التي أورثها الارهابيون الصهاينة الأوائل لليهود والتي يصفها الإرهابي مناحم بيجين في مذكراته بقوله «إذا أنت أخضعت رجلا للدرجة الأولى من المعاناة فانه يكافح لكي يعود إلى نقطة البداية.. ولكنك إذا دفعته إلى أسفل السلم فسوف لا يفكر في العودة إلى حالة اللامعاناة، بل سوف يحلم بالرجوع إلى المرحلة السابقة مباشرة، ولعله يكون قد نسي ما يجري وراء هذه المرحلة الأخيرة من مراحل المعاناة».
هكذا يمر العرب على ما يحدث في الصومال ليس فقط باعتباره استمراراً لما يحدث هناك من سنوات، ولا باعتباره مجرد حلقة من قصة دامية ستستمر طويلاً، ولكن باعتباره المصيبة الأقل حدة بالمقارنة مع مصائب اشد في العراق وفلسطين، وكوارث محتملة في لبنان وغيرها، ومصير لا يعلمونه في ظل حرب قادمة بين إيران وبين أميركا (وإسرائيل) أو في ظل صفقة أو تسوية تنهي النزاع ويدفع العرب ثمنها كما سيدفعون ثمن الحرب المحتملة.
على مدى سنوات كان «الصومال» هو الاستثناء «في منظومة عربية تعيش في ظل ما يبدو» استقراراً.. قد يكون استقراراً وهمياً، وقد يكون التعبير الحقيقي له هو الجمود، وقد يكون ثمنه ضياع الفرص الحقيقية للنهوض والتقدم، لكنه في النهاية كان يعطي الإحساس للأنظمة العربية ببعض الاطمئنان خاصة في ظل الدعم الأميركي لبقاء الحال على ما هو عليه ما دام يحقق المصالح الأميركية.
الآن يتوارى الوضع في الصومال أمام ما يحدث في باقي العالم العربي. في العراق وبعد التدمير الكامل لما كان يعرف بـ «دولة العراق» وبعد ما يقرب من 700 الف ضحية لحرب «تحرير!!» العراق على يد أميركا وحلفائها، لم يعد السؤال حول تقسيم العراق، بل أصبح السؤال حول تقسيم بغداد أو تطهيرها عرقياً لمن يستولي عليها. وأصبح علينا أن نستقبل بدون دهشة تقرير مجموعة الأزمات الدولية الذي يتحدث عن عملية تجزئة العاصمة العراقية وتقسيمها مذهبيا والتي تسارعت في العام الماضي مع تصاعد أعمال العنف المذهبية اثر التفجير المشبوه لقبة الإمامين العسكريين.
ويتحدث التقرير عن «بغداد الجديدة» التي تقوم الآن على وقع المذابح والقتل على الهوية والتهجير القسري الذي طال 160 الفا من سكان بغداد حتى الآن وقبل بدء العمليات العسكرية الأخيرة في قلب بغداد واقتحامها من القوات الحكومية وقصفها من الطائرات الأميركية.
ويؤكد التقرير أن «بغداد الجديدة» قد يكون نهر دجلة هو خط التماس فيها بعد ان أصبحت منطقة «الرصافة» تحت سيطرة الشيعة، بينما منطقة «الكرخ» تحت سيطرة السنة، بينما تظل باقي مناطق العاصمة تنتظر وتراقب في ظل تنامي الصراع الطائفي وما ستؤول إليه الأوضاع اذا وقعت الحرب الأميركية - الإيرانية.
وفي فلسطين لا تطال النيران فقط الآمال بقيام الدولة الفلسطينية ولا بإنهاء الاحتلال، ولكنها تهدر كفاح الشعب الفلسطيني على مدى القرن الماضي كله، وتضيع حقوق الشعب الفلسطيني المجاهد لان «الإخوة الأعداء» ارتضوا ان يدخلوا في صراع مجنون على سلطة وهمية..
صراع يستباح فيه الدم الفلسطيني على يد البندقية الفلسطينية، وتتحول فيه «فتح» الى حركة مقاومة لاحتلال «حماس» لقطاع غزة، وتتحول فيه حماس الى حركة مقاومة لاحتلال فتح للضفة الغربية، لتكون النتيجة «المنطقية» لهذا الصراع المجنون هي التباري في التشدد امام الجماهير المغلوبة على أمرها، ثم مواجهة ضغوط الخارج لتقديم التنازلات.
وفي لبنان لم تكن «المعجزة العربية» هي في الانتصار على الجيش الإسرائيلي في يوليو الماضي، ولا في التفاف الشعب اللبناني كله حول «المقاومة» ولا فشل الرهان الأميركي على الآلة العسكرية الإسرائيلية والتواطؤ الدولي والعربي. ولكن «المعجزة» كانت في نجاح الأعداء (وبأقل جهد ممكن) في سرقة النصر العربي، وفي تحويل المقاومة من نقطة إجماع لبناني وعربي إلى طرف نزاع يراد له ان يتحول إلى صراع طائفي يتم التخطيط له أميركياً (ومن قبل غزو العراق) لكي يكون هو المفجر لأوضاع المنطقة كلها.
والمأساة هنا أن تنجر الأطراف العربية لهذا الفخ، وأن تساهم في الشحن الطائفي بدلاً من ان تكون المظلة التي تحتوي الجميع لتنجو بلبنان وتحفظ له وللعرب انتصاره الرائع الذي مازال يزلزل الكيان الصهيوني من الداخل.
أما السودان الحبيب فيسير بخطى ثابتة نحو التقسيم، وتبدو الخلافات بعد ذلك من نوع هل يتم ذلك بمظلة أفريقية أو دولية ؟ وهل يكون الذبح على الطريقة الإسلامية أو لا؟ وهل يتم التعامل بالجنية أو الدينار أم أن الأمر الواقع سيجعل الدولار هو الحل؟!
هكذا نستقبل العام الجديد، والكل في قلب الخطر، من يتعرض للمأساة عن قرب كما أسلفنا ومن ينتظر دوره. وفي عام سوف يقرر مستقبل المنطقة الي حد بعيد نبدو كمن ارتضينا أن نضع مصيرنا بيد الآخرين، دون ان ندرك حجم الجحيم الذي ستغرق فيه الأمة العربية إذا لم تنتبه للخطر وتبادر للتحرك في مواجهته.
لقد فشلت الولايات المتحدة في مخططاتها لغزو العراق كمقدمة لتحقيق إمبراطوريتها في المنطقة، ولكن هل انتهى المخطط الذي وضعه اليمين الصهيوني الأميركي والذي يؤكد الآن أنه لم يخطئ بقرار غزو العراق ولا بمخططاته للمنطقة، ولكن الخطأ كان فقط في التنفيذ، وهو ما يفتح الباب للاستمرار في المخطط الذي يقوم أساسا على تفكيك الوطن العربي وإعادة صياغته وفقاً للمصالح الأميركية.
ستنسحب أميركا في النهاية من العراق، ولكنها ستترك قواعدها العسكرية في العراق وفي المنطقة لتحقق لها السيطرة الاستراتيجية، وستفرض الاتفاقيات التي تضمن لها السيطرة الكاملة على بترول العراق لثلاثين عاما على الأقل وبالشروط التي تعوضها عما أنفقته في حرب تدمير العراق.
وستستمر المخططات الأميركية في القرن الأفريقي حتى يتم السيطرة الكاملة على البترول والثروات المعدنية في السودان والصومال والدول المجاورة، ولن تجد الشركات الأميركية صعوبة في استعادة مواقعها للسيطرة على الجزء الأكبر من بترول ليبيا والسعي لاستكمال نفوذها في الشمال الأفريقي.
وسوف تسعى واشنطون لحسم خلافاتها (سلماً أو حرباً) مع إيران، واستقدام تركيا للمنطقة كعنصر توازن في التنافس الإقليمي، ومع الإصرار الكامل على نفي عروبة العرب والتعامل مع الدول العربية ككيانات منفصلة قابلة للتقسيم .
إنه عام الحسم لقضايا كثيرة في المنطقة، تخوضه الولايات المتحدة بتصميم كبير على عدم الاعتراف بالفشل وعلى جني ثمار سياساتها في زرع الفوضى الخلاقة (بالنسبة لها بالطبع) في الدول العربية، وتخوضه إسرائيل لعبور فشلها في حربها على لبنان وفرض التسوية الملائمة لها على فلسطينيين يخوضون حرباً أهلية كانت على الدوام حلماً للإسرائيليين، وتخوضه تركيا وهي تبحث عن موقع لها يؤمن لها مصالحها.
ولن تكون أوروبا ولا روسيا ولا الصين بعيدة عن هذه الصراعات.وحدهم العرب هم البعيدون - حتى الآن - عن أن يكونوا الطرف الأساسي في تقرير مصيرهم. غارقون نحن في صراعات حماس وفتح على لا شيء، وفي حرب التقسيم في السودان، وقتال العشائر المتحاربة في الصومال، وفي متابعة القتل على الهوية في العراق.
وفي انتظار لبنان لمصالحة سوريا - سعودية لا تتم، وفي انتظار الجميع لعودة مصر للقيام بدورها في قيادة الأمة العربية للخروج من مأزقها الراهن.. هذه العودة التي يدرك الجميع الآن كم هي ضرورية، بينما البعض في مصر مازال يتصور مستقبلا حقيقياً لها خارج أمتها العربية.
إنه عام الحسم الذي سيؤثر على مستقبل المنطقة لسنوات عديدة، والكل يحشد قواه، والعرب لا يجدون ما يحشدونه إلا الكثير من العجز والقليل من القدرة على الفعل رغم كل ما يملكونه من إمكانيات.
نقيب الصحافيين المصريين