يكشف المشهد الراهن، الذي تتكاثف غيومه الداكنة في سماء المنطقة العربية، عن أن العمل العربي المشترك أصبح مشلولاً تماماً، بل إنه وصل من العجز إلى درجة بات فيها غير قادر على التعبير عن نفسه، في خضم ما يجري من تطورات وتداعيات على ساحته الجغرافية، تاركاً الباب مفتوحاً على مصراعيه أمام الآخرين ليرسموا، بالوكالة عنه، واقع ومصير هذه المنطقة الحبلى بالفتن والحرائق والفخاخ والتوترات الداخلية التي ينتج عنها المزيد من الأخطاء والخطايا والضغائن والأحقاد، أكان ذلك على مستوى المجتمع الواحد أو على النطاق الأوسع الذي يمتد ليشمل المنطقة بأكملها.
ومن المؤسف والمقلق أيضاً أن ما يجري، أو ما زال في مرحلة المخاض، قد أخذ ينسحب تباعاً على مضمون النظام العربي، بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، ليغدو هذا النظام غائباً أو مغيَّباً، إن لم يكن مسكوناً باللاموقف ومتقوقعاً في زوايا الجمود، في الوقت الذي يلهث فيه العالم وراء تأمين مصالحه وضمان عدم تعرضها لأية تأثيرات محتملة أو طارئة.
والمثير حقاً أن يتجه مثل هذا الحال من الاسترخاء إلى التمدد،وكأن العرب، دولاً وشعوباً، لم يستفيدوا من كل النكسات التي مرت بهم، ولم يتعظوا من دروس الماضي وما تخلله من محن وكوارث، ولم يتعلموا من كل الضربات الموجعة التي حولتهم إلى أمة هامشية فاقدة التأثير، لا يحسب لها حساب في سياقات النظام الدولي الجديد الذي لا يضع اعتباراً للضعفاء أو من لا يحسنون توظيف قدراتهم من أجل إبراز حضورهم ومكانتهم والدفاع عن قضاياهم ووجودهم وحقهم في النهوض والتطور وبلوغ تطلعاتهم في حياة حرة وكريمة.
وما يعمق الألم في النفوس أن تتسع رقعة هذا الانحدار، مع أن الجميع لا يجهل العواقب الوخيمة التي ستترتب على مقابلة هذا الواقع باللامبالاة، وكذا عدم الاكتراث لما يعتمل في جغرافيتنا العربية من تداعيات، من فلسطين إلى لبنان، ومن العراق إلى الصومال.. وغيرها من التوترات المحتدمة والتي لن يسلم من لهيب نيرانها وشررها المتطاير أحد.
وعليه فإن من الحكمة والمصلحة أن يستشعر العرب أنهم أمام مفترق طرق، وأعسر اختبار في تاريخهم المعاصر، وأن الخروج من هذا النفق يتطلب القيام بمسؤولياتهم تجاه أنفسهم وأوطانهم وأمتهم وأجيالهم القادمة، إلى جانب إدراكهم الواعي بأن التشرذم الداخلي في بعض الأقطار، أو التشرذم على المستوى العربي العام، لن يؤديا إلى إلحاق الضرر الفادح والمهلك بهذه الأمة فحسب، بل إنهما سيفضيان إلى وضع هذه الأمة تحت طائلة الاستهداف الممنهج والهيمنة السافرة التي ستنتهي بنا نهاية مأساوية ومؤلمة وباهظة الثمن.
ولتجنب الوقوع في مهاوي هذه التراجيديا المهلكة، فإن الحل يكمن في استنهاض مقومات العمل العربي المشترك ووحدة الصف والاتفاق على أجندة واضحة الأهداف والمعاني والتوجهات، والاستيعاب العميق بأن خطراً حقيقياً يداهمنا، وأن إهدار المزيد من الوقت إنما يمثل ضرباً من الجنون وإيغالاً في الذنب وإمعاناً في تكرار الأخطاء، وإنه ما لم يحسن العرب قراءة واقعهم الراهن فإنهم سيخسرون الحاضر والمستقبل معاً، ليجنوا بذلك على أنفسهم وعلى من سيأتي بعدهم .. وذلك هو الخسران المبين.